أخر تحديث : الخميس 9 مارس 2017 - 11:25 مساءً

درس في البلاغة وفي الحياة

بتاريخ 9 مارس, 2017 - بقلم admin
درس في البلاغة وفي الحياة

رزاق عبدالرزاق

 

– سقراط : وَضّحْ أكثر ما تريد الإفصاح عنه. ألم يقولوا لك أن سكان أثينا يحبون البلاغة، والكلام البين، فلولا فن الإلقاء “الريطوريك” لما اشتهر أحد منا؟ أتمنى أن لا تكون من أولائك الذين جمعوا من هنا وهنا وقالوا هذا كتابنا. لدينا مثل إغريقي يقول:” حبات رمل لا تكون هضبة. فمهما أضفنا إليها من الرمل تبقى منخفضة”.

ماكياڤيلي : إنك تمزح يا أستاذي المبجل. بحثت في الموضوع طويلا، ولم أتذكر مرجعا إلا واستأنست به. تعبت   كثيرا في إنجاز هذا المؤلف. لا أنكر  أن نجاحه فاجأني، وتجاوز كل توقعاتي. كنت أعتقد أن مصيره سيكون سلة المهملات، وإذا به يتحول إلى تحفة نادرة. عندما كتبت هذا الكتاب، كان قصدي هو خدمة الأمير، لا غير، وتعريفه بالطرق المتعددة لاستمالة حب الشعب إليه. والغرض من ذلك هو استخلاص العبر والحكم، لكي لا يؤدي به الانزلاق إلى أوضاع يصعب التحكم فيها. إن سائقي الوفي حفظ عن ظهر قلب جل فقراته، لنترك له الفرصة لإعطائك المزيد من التوضيحات. لأن الكتاب عادة لا يفلحون في تقديم مؤلفاتهم .

(مسرحية ضيوف سقراط )

 

إن البلاغة التي تحدث عنها سقراط المسرحي ليست تزويقا للكلام أو تلوينا له ، وإنما ركيزة أساسية لتمتين الخطاب وتخصيبه. إن الأدباء الإغريقيين الكبار ك سوفوكليس (أوديب) و أوريبدوس (إليكترى) و هوميروس (الإلياذة)، كانوا يعطون مكانة خاصة للريطوريك. ولهذه الأخيرة علاقة مثنية ومباشرة ب الفونيتيقا، التي تحدد الجانب الصوتي للألفاظ . وتصبح نظما غنائيا عندما يصل التناغم درجات الإنشاد . فهي لا تخص لغة دون أخرى ، بل لكل للغات العالم بلاغتها وبلاغييها، فحتى اللغات القديمة كالهندوسية التي كُتِبت بها ملحمتي “ماهابهاراتا” و “الرامايانا” لا تخلو من بلاغة، وإلا كيف بمقدورها أن تتحدى الزمن، من عصر الميثواوجيا الغابر إلى عصر الفكر الديكارتي ( cartésien ) . ومن الطبيعي كذلك أن تكون حاضرة في مؤلف ماكياڤيلي الشهير “الأمير”. فمن خلال اللقاء المسرحي الخيالي الذي جعله يتقاسم الحديث مع الفيلسوف سقراط، في الايام الأخيرة ما قبل محاكمته، سيدور النقاش حول كتاب ماكياڤيلي. فبعد الإملاء سينزعج سقراط من ما سمع، فيرد على سائق ماكيافيلي كالتالي:

»أعتبر ما كتبه سيدك هذيان و تلاعب بالألفاظ، كونه لم يعر لهؤلاء المفكرين المتنورين (يقصد الفلاسفة) أي اهتمام. تقول صنفهم مع عامة الناس. وهذا غلط فادح. فإذا كان الأمر كذلك، وبكل هذه البساطة، فلماذا كل هذا الضجيج المفتعل، وهذه المحاكمة التاريخية، التي ستكون لا محالة، مليئة بالضوضاء والقيل والقال، نظرا للعدد الهائل من الأعضاء المحلفين؟ ساحة المحكمة ستتحول إلى مجال للمسايفة اللفظية، وسيرددون بصوت كورالي نفس الاتهامات ، لا يعذرون حتى من أندر، لن يتراجعوا مذعورين ، بل سيهجمون بشراسة ، وبشكل مستفز. ومعضلتي الكبرى هي: كيف يمكن لي إقناع هذا الجيش العرمرم بالفكرة الصائبة، والحجة الدامغة؟ (يهمس في أذن السائق) لو كان حاضرا معنا في هذا اللقاء، الفيلسوف المشاغب ديوجين، لأشبع سيدك هجوا جارحا ونقدا لاذعا. ( يرفع من صوته) أما أنا، فتعودت مند أن أحسست بنضج فكري، على تجنب المشاحنات والملاسنات البيزنطية، والتراشق بالمفردات اللاذعة، ابتعد كل البعد عن كل ما من شأنه أن يفجر الحقد و الضغينة بين بني البشر، وحتى إن أساءوا إلي، و تعرضت لغدرهم ولمكائدهم، أحتفظ بالهدوء والثبات. كنت ولا زلت أحلم وأطمح للوصول إلى  ذروة الفكر، وسدرة المنتهى ، التي أسَمّيها بحر الجمال ، حيث تذوب فيه الاختلافات والمنازعات. لكن يبدو أن المشوار طويل وشاق. هناك قوم في حالة غليان قصوى، أوتي بهم من كل حدب وصوب ينتظرون مني أن أقنعهم، بكل ما أوتيت من حكمة ورصانة، بمواطنتي الخالصة، وتعلقي الأبدي بأثينا مسقط رأسي، وبثوابت الأمة الأيونية. هذا الحشد المكون من خمسمائة عضو، سيستمع إلي بوجوه عابسة، وبعد الاستماع سيتخذون القرار بالتصويت. ( يخاطب ماكياڤيلي ) أما فيما يخصك يا نيكولا، أقول لك بكل صراحة و صدق ، أن أفكارك لا تصلح لهؤلاء القوم الذين ينتظرونني في المنعرج   بسكاكينهم، إنه رهط من فصيلة فولاذية، لا يشفق ولا يرحم. «

 

بعد خروج ماكياڤيلي وسائقة تدخل اگزانثيب زوجة سقراط لتقول له: » سمعتك ترفع صوتك في وجه الزائر الايطالي. هل تلفظ بشيء غير لائق؟   «

يرد عليها : » ماكياڤيلي إنسان مؤذب، إنما كتابه هو الذي لم يرقني. أنت تعرفين أنني إنسان بسيط، لكني في هذا  الخضم أستغرب لشيء واحد، أعطيني الكوب ( تمد له الكأس ليشرب)، كيف لأناس يدخلون المسرة في قلبك، كابن الهيثم مثلا، جلسته كانت رائعة، ولو أن ثقافته الأصلية بعيدة كل البعد عن ثقافة شعب أثينا، الذي أنتمي إليه. ثم هناك آخرون ممن نعتقد أنهم اقرب إلينا من الناحية البنيوية والاتنولوجية ، لكن مع الأسف يثيرون في أول وهلة، الضجر، والملل، و الامتعاض. أنا لست بحاجة للآخرين، للمرافعة عني أمام القضاة. أحترم ماكياڤيلي ككاتب، لكن أفكاره ومرتكزاته لا تشبه أفكاري ومرتكزاتي. وطريقة تفكيره تختلف عن أسلوبي الذهني، هو يبحث عن الأجوبة الجاهزة، وأنا اعتمد على التساؤلات. « 

ففي مسرح الذاكرة هذا، تناغُم للتراث العالمي، فمن كان يظن أنه في يوم ما سيستيقظ سقراط من نومه الأبدي ليستمع، لأدبيات شعرية نضمها فحول الشعر العربي، ينتمون إلى الحقبتين التاريخيتين المعروفتين، عند الخاص والعام، كزهير ابن أبي سلمى، و أبو العلاء المعري، والمتنبي؟ ولبناء المسرحية بناء متجانسا، اعتمدت على المنهج السقراطي، الذي يرتكز على وضع الأسئلة التي تؤدي، في آخر المطاف، إلى فهم أعمق. فمن الأفكار السقراطية التي أبرزها النص المسرحي ، نجد ما يلي : “القوة لا تصنع العدل، والفضيلة علم لا يكتمل إلا بالتجربة، وما يسميه الناس قانونا ما هو إلا مجموعة من المفاهيم، صالحة لمرحلة معينة، وتتغير بتغير وعي الإنسان”، و”لا وجود للخوف لدى أي فيلسوف حقيقي”، و”الموت شفاء للروح بعد تحررها من الجسد”.

اختتم هذه الإطلالة بما رد سقراط على ضيفيه الايطاليين : »أركز في أسلوبي الفلسفي على بيداغوجيا الأسئلة، التي تولد الأجوبة الدفينة، لأنني كما قلت قبل قليل، أجهل الكثير عن نفسي، و بالتالي عن الطبيعة البشرية، بصفة عامة. أفْرِطُ في وضع الأسئلة لأنها هي مفتاح كل الظواهر الخفية، و تؤدي في النهاية إلى فهم عميق للأشياء. ومن يرفض الانخراط في هذا المسلسل الديالكتيكي، يرمي بنفسه طواعية، وبطريقة انهزامية في غياهب الجهل المظلمة، وفي كهوف الأمية، ومتاهات الانحطاط و التأخر. لماذا قرر أهل أثينا النافذين محاكمتي؟ لأن أسئلتي هاته أخذت تحرجهم، وتؤرقهم، وما اتهموني به ، لا يشكل إلا الشجرة التي تخفي الغابة الكثيفة المليئة بالتناقضات، لأن الأمور السياسية، بعد الانقلاب على الديمقراطية، توجد في مأزق كبير، وحان الوقت للبحث عن مشجب يعلقون عليه خطاياهم، وعن كبش فداء لتحميله كل التهم. لكن مهما كانت خطورة المؤامرة، لن أخذل فلسفتي، ولن أتخلى عن المبادئ التي أومن بها، حتى لو أدى الالتزام بها إلى الموت شنقا. ما يخيفني هو الحكم الخاطئ والجائر. فمن خلال الارتجاف والهيجان الذي لاحظته   حولي، يبدو أننا نسير بخطى مضطربة نحو الفاجعة، وسوف أكون مسرورا بمغادرة الإقامة المؤقتة، التي يسمونها الدنيا، وذلك قهرا وغصبا عني، لأرحل إلى الإقامة الأخرى. أتشوق للرحيل إلى دار الخلود، أما العالم السفلي فكله شر، وظلم، وطغيان. « 

 

ملحوظة : أوجه نداء للمسرحيين المهنيين الجادين في العالم العربي وعلى الخصوص اللبنانيين ، أن أعجبنهم مقتطفات هذا النص المسرحي وأرادوا انجازه علي الخشبة ، فإنني مستعد لتتعاون الفني، وما عليهم إلا الاتصال بي عبر البريد الالكتروني لكي ابعث لهم النص الكامل :

abderaz@laposte.net

تعليقات القراء
عدد التعليقات 0


ان ريتاج بريس الالكترونية تحتفظ بحقها في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر وتشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة ريتاج بريس الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

شروط النشر: ان ريتاج بريس الالكترونية تشجّع قرّاءها على المساهمة والنقاش وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا تسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا تسمح ريتاج بريس الالكترونية بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.