أخر تحديث : الثلاثاء 7 مارس 2017 - 7:58 مساءً

لماذا تُضْطهَدُ العقول الكبيرة من طرف الصغار؟

بتاريخ 7 مارس, 2017 - بقلم admin
لماذا تُضْطهَدُ العقول الكبيرة من طرف الصغار؟

 

رزاق عبدالرزاق

– سقراط :   كم يعجبني تواضعك وبعد نظرك. قل لي، لماذا لم يؤخذ بنظرياتك الصائبة، وبحقائقك العلمية مأخذ الجد، لكي تنطلق سفينة العرب، من جديد نحو أفاق مشرقة ومزدهرة. أرى العرب في تقهقر مستمر وتراجع خطير. إن وضعك يذكرني بالخوارزمي، عالم الرياضيات الذي أبهر العالم بلوغاريتماته ومعادلاته الرياضية، التي تتطلب ذكاء كبيرا لحلها.

– ابن الهيثم : نحن معشر العلماء لا دخل لنا فيما آلت إليه الأمور. قمنا بواجبنا على أحسن وجه، وبطريقة نبيلة ومشرفة، رغم المضايقات و ضعف الإمكانيات، لكن مهما يكن، نحن لسنا أنبياء، وحتى عصر الأنبياء فقد ولى بدون رجعة. وفيما يخصني أنا شخصيا، أقولها بصدق. أنا لا أفقه شيئا في السياسة. إذا أردت مني أن أحدثك عن علم البصريات، و عن علوم الماء فمرحبا. أنا رهن إشارتك، عندي ما يشفي الغليل، كذلك، لدي بعض الاجتهادات في المجال السيكولوجي، لكنني أجهل كل شيء عن سلوك وميول السياسيين وحيلهم، ومراوغاتهم. إن العلماء يتعاملون مع الأشياء الملموسة، التي تخضع للقياس العلمي وللبرهان المنطقي، أما هم فيتفننون في نسج الكلام المعسول، وأحيانا يستطردون في الألغاز والكلام الملغوم، خاصة عندما يحمى الوطيس بينهم. وتتأجج الحروب الكلامية. قل لي يا معلمي الكبير، هل سمعت شيئا عن الرازي، وعن ابن رشد، والفارابي، والكندي، وابن سينا، وابن خلدون صاحب “المقدمة” الشهيرة؟ كل هؤلاء العباقرة الذين سبقوا عصرهم ، بقرون من الزمن ، لم يجدوا راحتهم مع الحكام. حتى الشاعر المتنبي ذاق نصيبه من التنكيل والإهانة . فإذا كنت حضرتك لا تعرف الكندي، أذكر سيادتك المحترمة، أنه هو من كان له الفضل في شرح فلسفتك الحكيمة، في العالم العربي.

(مسرحية ضيوف سقراط)

 

عودا على بدء، نتابع النقاش للأفكار التي تَجَلّت من خلال المحاورة المسرحية الخيالية بين عالم عربي وفيلسوف إغريقي مهدد بالقتل، لاستخلاص العبر. يدور الحديث التالي حول اضطهاد العلماء والشعراء وأصحاب الفكر في العالم العربي، حيث يُذكِر “ابن الهيتم المسرحي” سقراط بعباقرة تعرضوا للقمع والتنكيل والاحتقار، من طرف دوي العقول الصغيرة الذين يُغَطون عن ضعفهم الصبياني بغشاء التسلط الإستعبادي السميك، باستعمال عضلات الغير، أو أسلحة الغدر.

تعرض ابن خلدون المعروف عالميا بمقدمته للتنكيل والإهانة، فكانت الهجرة الاضطرارية هي الحل ،  بالنسبة إليه ، تماما كما حصل للفيلسوف الفرنسي ديكارت صاحب المقولة المأثورةّ: “أنا أفكر إذن أنا موجود” ، والتي تقترب من الكلام الفلسفي للسيد سقراط (اعرف نفسك بنفسك).

أحْرِقَت كتب ابن رشد، كأن محتوياتها تحث الناس على العصيان المدني، بل حتى الشعراء الموهوبون ذاقوا نصيبهم من التنكيل، فلم ينجو من زبانية المتسلطين الدمويين. ويبقى أشهرهم هو طرفة ابن العبد، الذي هجا الملك، فانتقم منه بقتله، وكان سنه لا يتجاوز الثلاثين. لكن ترك أشعارا ُتذَوِب الصخر ببلاغتها :

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة *   على المرء من وقع الحسام المهند

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا *   ويأتيك بالأخبار من لم تزود

وفي العصر الإسلامي بزغ اسم سفاح، نحر بسيفه جنين الديمقراطية في بلاد العرب، وهو الحجاج بن يوسف الثقفي الذي لم ير حوله إلا » رؤوساً قد أينعت وحان قطافها  «، ونسي رأسه المتسخ.

للذين يقرؤون هذا النوع من الكتابة ، لأول مرة دون الاطلاع على النموذجين الذي سبقاه، و ويستغربون لطبيعة هذا الحوار السريالي بين شخصين ينتميين إلى حقبتين مختلفتين ، وإلى حضارتين متباينتين، نذكرهم بأن الأمر يتعلق بإبداع مسرحي من نوع جديد. وللمزيد من التوضيح نفيدهم بهذه الإيضاحات الإضافية التي جاءت في مقدمة المسرحية : »إن لقاء سقراط بابن الهيثم وبماكياڤيلي لم يكن اختيارا عرضيا، أو عبثيا، كان اختيارا مُفكرا فيه بعمق. هناك أسئلة محورية تمت مناقشتها فيما بينهم برصانة. ففي المشهد الأول الذي يجمع سقراط بابن الهيثم، يسألا بعضهما عن أسباب، تردي الأوضاع، وعن حالة التذبذب المتشابهة التي يعرفها العالم العربي، و بلد سقراط الأصلي اليونان. فلهذه المسرحية، المكونة من مشهدين اثنين فقط، إيقاعها الخاص، فطريقة نسجها حولت الوقت المُقاس بدوران الأرض حول الشمس وحول نفسها ، و بحركة عقارب الساعة إلى “اللا- زمن”، حيث ساعدت جرأة الفكرة المتبناة على تقريب المسافات البعيدة، وعلى الجمع بين الأمزجة البشرية، لتؤسس لدراما من نوع جديد، تمزج بحرية بين الخيال والواقع، وتربط الإيحاء بجوهر الأشياء. فحتى الأشخاص الثانويون في المسرحية كسائق ماكياڤيلي الذي هو من وحي الخيال، و ابن سقراط، الذي كان له وجود تاريخي حقيقي، لهم أدوار لا يمكن الاستغناء عنها. «

في سياق الحديث ، ومن أجل استخلاص العبر، وهذا هو المبتغي من هذا التجريب السردي/التحليلي، يسأل ابن الهيثم سقراط عن أسباب انحطاط الدولة اليونانية الحالية : » قل لي يا صديقي سقراط، ماذا جرى لأبناء وطنك، لماذا لم يستمروا في نفس النهج الوضاء، ويربطوا الأيام الخوالي بالحاضر؟ ما سر الأزمة الخانقة التي تتخبط فيها البلاد الآن؟ في عصور خلت، كان الإغريق يحكمون الأرض، خاصة بعد انتصارهم على الفرس بقيادة ملكهم داريوس (Darius)، والاستيلاء على بابل، التي كانت أجمل مدينة في ذلك العصر. «  

يجيبه سقراط :  » قلت لي قبل قليل أنك لا تهتم بالسياسة، ما قلتَه عن الوضع الحالي في اليونان، يثبت عكس ما صرحت به. فيرد عليه مخاطِبُه العربي :» في الحقيقة كنت أريد أن أقول لك، أني لا أصلح أن أكون زعيما سياسيا، فمن طبعي لا أحب المراوغات الكلامية، والكذب على الناس. السياسيون يتكلمون أكثر مما يفعلون، مثلهم مثل الشعراء، مع فارق واحد، أننا نستحمل أصحاب القافية واللفظ الموزون، لكننا نشمئز حينما نسمع من محترفي السياسة وعودا لا تتحقق، وأكاذيب لا تغتفر. أما العالِم فهو رجل التجارب الحية والعمل الملموس. كيف ستكلل تجاربي العلمية بالنجاح، لو ترشحت للانتخابات وفزت بمقعد ؟ وحتى الشعراء فقلما استهوتهم أمور السياسة. أنا أقصد الشعراء الحقيقيين، والملهمين، وليس بائعي الكلام الوصوليين والانتهازيين، وخاصة أننا بدأنا نلاحظ كما في بداية عصر الانحطاط، أن الشعر المصطنع انتصر على الشعر الحقيقي، وكما قال أحد نبهاء التحليل الأدبي:” إن أدب المناسبات طغى على أدب الوحي.«   

 

تعليقات القراء
عدد التعليقات 0


ان ريتاج بريس الالكترونية تحتفظ بحقها في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر وتشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة ريتاج بريس الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

شروط النشر: ان ريتاج بريس الالكترونية تشجّع قرّاءها على المساهمة والنقاش وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا تسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا تسمح ريتاج بريس الالكترونية بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.