أخر تحديث : السبت 4 مارس 2017 - 12:59 صباحًا

فنون من إلهام الطبيعة

بتاريخ 4 مارس, 2017 - بقلم admin
فنون  من إلهام الطبيعة

رزاق عبد الرزاق

 

– بناي رقم 1 : هانتا غادي تفكرني في القرية ديال عمامي اللي كنت نمشي لها .

– بناي رقم 2 : ها الدجاج البلدي. ها الخضرة الطبيعية. الهواء نقي. والماء ديال البير. في فصل الرْبيع، تتعود البادية

                 بحال شي زربية رْسمْها رسام موهوب. بلْعمان وشْحيمة الفلوس، گرين لغزال وكرينبوش، الماشية ترعى

                 في أمان، والبگر تيغزّز الگرنينة والعسلوج. الحليب واللبن غا مْدفگ. واش ماتوحشتيش صيكوك،

                 والخبيزة بالزيت البلدي، والبوبال مسلوق، والتريد و الرفيسة ؟ ملي تاطيح الشتى في لوقيتة ديالها،

                 الدراري تيخرجو لبرا ويبداو يغنيو: ” اشْتا تاتا تاتا أ وليدات الحراتة، أ لمعلم بوزكري طيب لي

               خبزتي …” وملي يجي الصيف تيتغير الإقاع: ”اسطيلة نْطيلة تقطر بالما لخضر…” . اللي هْجر البادية

                ومشى يتسكع في المدينة راه ضربو حمار الليل. واش لحليب ديال البگرة بحال حليب الغبرة؟ وملي

                 قربو ليهم لعمود ديال تريسينتي، جَهْزو لبيوت بالفريجيدير و الهوم سينما.

(مقتطف من مسرحية الحائط)

 

 

نادرا ما أستهل مقالاتي التنويرية بمقتطفات من مسرحياتي لجعلها توطئة للنقاش، وعدد هذه المسرحيات 4 ( اثنان بالدارجة، واحدة بالعربية الفصحى، والأخيرة باللغة الفرنسية)، اليوم أدَشِن هذا التقليد، من خلال “ريتاج بريس”، وإني لمتأكد بأنني سأرجع إليها في مناسبات عديدة، لأنْهَلَ منها ما تيسر من الصور والإيحاءات المستقاة من صلب المجتمع المغربي .

فكما يعلم الجميع، إن كتابة المسرح ليس ككتابة المقالات الصحفية، التي تحاول جهد المستطاع الالتصاق بما هو ظرفي وحدثي (événementiel). رجعت عَمْدا لباكورتي الأولى، أي مسرحية الحائط التي كتبتها باللغة العامية، لأنها مفهومة من طرف الجميع، خاصة في مناطق الشاوية وعبدة ودكالة، لأعمق النقاش في إحدى الظواهر التي تخص عالمنا المتذبذب، والتي تناولَتْه المسرحية في إحدى فقراتها . ففي هذا الحوار بين بنائين، جيء بهما من “المَوْقِف” ، من طرف مخرج ، لبناء سور على خشبة المسرح ، و في مدينة في حالة تدهور مستمر، يذكر البناء رقم -2 (الذي ستُكْشَف حقيقته في الفصل الثاني والأخير على أنه بوزغيبة)، مزايا العيش في البادية ، والموضوع المعالج في هذه “الرِبْليك” هو ما يسميه اختصاصيو علم الاجتماع بالهجرة القروية إلى المدن، ولو أن الأمر يتعلق بالترحال، لأن الهجرة توحي إلى بعد المسافات، وتغيير الأوطان، في حين قد يكون الترحال من قرية مجاورة، لا تبعد على المدينة إلا ببعض الكيلومترات، ويبقى الشخص المتنقل “داير رجَلْ هنا ورجل لهيه”، كما تقول عامة الناس.

كتبت هذه المسرحية مند سنوات ، وهي مليئة بالمواضيع التي تهم الساعة وسير البلاد وحياة العباد. فبفضل ذكاء المخرج الأنطاكي (الشخصية الثالثة في المسرحية ) تحول كِلا البنائين إلى ممثلين مسرحيين، لكن الأنطاكي لم يكتب النص، بل هما الذين أثثا المسرحية بكلامهما الحميمي والتلقائي، أمام الجمهور ، والذي لا يخلو من جدال وتضاد في الأفكار، لأن فارق السن واختلاف التجارب الحياتية أججا الصراع بينهما . من بين العاهات والآفات التي تجادلا حولها نجد الخوف، والجبن، والغش في الميزان والتلاعب بالأثمان، وبالصفقات العمومية، التأمين الإجباري، حماية البيئة، الأمية ، التلاعب بثقة الناس ، النفاق الاجتماعي، الأنانية والبخل ، النصب والاحتيال ، والتباهي بالملابس المستعملة (حوايج الخردة) …..

من حسن الحض أن في اللحظات الأخيرة من المسرحية سيتحول الشخصان الغريبان إلى صديقين وفيين لبعضهما ، و سيتضامنان مع المخرج عندما سينادى مدير المسرح على الشرطة لانتقام من الأنطاكي ، لأنه ضحك عليه فنيا، ببناء حائط “ديال بصح ماشي ديال الفرشي” ، يصعب أزالته بالفأس. والجميل في المسرحية أن في النهاية ستقلب الآية، وسيصبح الأنطاكي المغضوب عليه والمحبوب من طرف الجمهور، هو مدير المؤسسة، بعد مكالمة هاتفية غريبة يُجهل مصدرها.

ففي المقتطف الاستهلالي والاستدلالي الموضوع أعلاه، يظهر جليا أن حينما يسقط المطر، وتنعم الطبيعة بهداياها، يطيب العيش في البادية. وتتناغم الحياة مع نمو الكائنات التي تحيط بها، أما المدن الكبيرة فكلها ضجيج ومشاحنات. وبما أن آماكن الترفيه عن النفس، انمحت من خرائطها، فقد تحولت إلى مرتع للبؤس والتعاسة. فكلما اتسعت رقعتها العمرانية تشعبت مشاكلها، واستعصى حلها، بدءا بالنفايات ، التي يؤثر تزايد ركامها المضطرد على المحيط البيئي و “الإيكو سيستم” ، ناهيك عن النزاعات بين الجيران وبين أصحاب الملكية المشتركة . “كاين اللى حاصَلْ غير مع السانديك”.

فالمدينة لا تضمن لقاطنيها جميع المتطلبات. ومن قام ببيع أرضه الفلاحية وذهب إلى المدن لكراء شقة صغيرة تشبه قفص الدجاج ، ففي ذلك حمق، لأن الجفاف الذي يشجع الترحال يأتي بشكل “سيكيليك” (دائري ويعيد نفيه)، وليس بشكل دائم وقار. لذلك كان التحلي بقليل من الصبر والتأني لتجاوز السنوات العجاف، هو الحل الأمثل، فبعد العسر يأتي الخير واليسر. لكن غرائبية المدن ولمعانها المُصطَنَع يغري المُغََفلين . فمع التساقطات المطرية الأخيرة والوفيرة التي عرفتها البلاد ،  سيندم، لا محالة ، عدد من بدويي المدن، لأنهم اقبلوا، مند البداية ، على صفقة فاشلة، والرابح الأكبر هو من اشترى منهم الأرض ، بأبخص الأثمان. صحيح أن هذه الأمطار خدشت وجه بعض المدن كسلا والرباط، وعرت عن سوء تدبير الوكالة المكلفة بصرف المياه العادمة ، وإهمالها لترميم بنياتها التحتية، لكن تساقطها في وقتها المناسب ، كما جاء في المسرحية ، يبشر بربيع زاهر وبصيف مزدهر ، وبمحصول زراعي قياسي مقارنة مع المعدلات الإنتاجية السابقة. مرة أخرى وبعد غياب طويل ، سنرى أسراب النحل والفراشات ترشف رحيق الأزهار في حقولنا.

أعلم أن محبي الطبيعة يبرمجون   جولاتهم الربيعية لزيارة هذه المناطق المخضرة ، بين 21 مارس و21 ابريل ، لأن بعد المطر وتخصيب البدور تبسط الطبيعة زرابيها المزركشة، في مهرجان للألوان الشفافة وتفسح المجال الأكسيجيني لأريج النباتات وعطرها الفواح ، وذلك مصداقا لقول الشاعر المفعم “ أو ما ترى الأزهار ما من زهرة, إلا وقد ركبت فقار قضيبها “.  

ففي نفس المقتطف المسرحي الذي اخترناه نجد أسماء نباتات لا يعرفها إلا أبناء هذه المناطق المذكورة، ك “بلْعمان” و”شْحيمة الفلوس”، و”گرين لغزال” و”كرينبوش”، و”الگرنينة” و”العسلوج” ، لكن حتى ولو غيرناها بأسماء آمازيغية فالقالب المسرحي (الكانفا) يبقى هو هو ، لأنه يصلح  لجميع اللغات واللهجات.

نذكر أن “الگرنينة” و”العسلوج” نبتتان فيهما شوك، لكن الأولي لها مذاق بني مالح، والثانية تشبه الخرشف، وهما من بين النباتات المفضلة لذا البقر. أما “شْحيمة الفلوس” فهو يشبه زهر الأقحوان ، و”بلعمان” فهو زهرة ناصعة الاحمرار ، لها منظر خلاب لكن يكون مصيرها هو النتف من الحقول، تماما كنبتة بوزغيبة ، لأن تواجدها يضر بالمحصول الزراعي . أما ، “گرين لغزال” و”كرينبوش” فهما ينتميان إلى ما يسميه علماء “البوطانيك” بالعدسيات .

ففي المجال الإبداعي، واعتبارا لتأثير الطبيعة علي ككائن بيولوجي وفسيولوجي، استلهمت شخصية بوزغيبة الهزلية من نبتة تنفرد بوظائف بيولوجية خاصة ، تميزها عن باقي النباتات الأخرى. حولتُها إلى إيقونة رمزية و إلى “أفاتار” يتفاعل مع مجريات الأحداث. والدليل على ذلك هو أن بطل مسرحية الحائط ما هو إلا بوزغيبة . ففي هذه المسرحية الفريدة من نوعها (بشهادة النقاد الذين قرؤوها) ، يتقمص تحث اسم مستعار (الغاضب) حياة شاب هاجر إلى أمريكا عن طريق القرعة. ورجع منها مُرغَما وخطئا ، لأن بعد هجمة 11 شتنبر ضن الأمريكان أنه من أعضاء القاعدة . ولما رجع إلى المغرب وهو حامل لدبلوم من الدرجات الرفيعة، لم يجد منصبا لا في الإدارة العمومية ولا في الشركات الخاصة. بقي ينتظر المستحيل، فمن أجل ضمان لقمة عيش، سيتوجه الخريج المُعَطّل إلى مجال البناء. بعدها سيأتي المخرج المسرحي الذي سمع بقصته، فافتعل دراما على شاكلة ” لفت ستوري”، والباقي ستعرفونه ، عندما يتم إخراج هذه المسرحية ، وعرضها للعموم.

لنعد إلى الطبيعة و لأمنا الأرض . فلما سمع الكاتب المغربي محمد البوحتوري بمعرضي التشكيلي الذي خصصته سنة 1992 لشخصية بوزغيبة (معهد غوته الألماني بمدينة الدار البيضاء)، قام بمحاورتي حول الثيمة ومحتويات المعرض ، ونشر الحوار بكامله في جريدة العلم، التي كان يتعاون معها كناقد. بعدما ضاق به ذرعا من جريدة حزبه الأصلية، بعد ذلك كتب “مانيسكري” لكتاب  تطرق فيه إلى تجربتي المتواضعة، وأعطاني نسخة منها، لازلت احتفظ بها إلى الآن.

كشهادة، أقولها بصدق، إن البوحتوري كان من الأوائل الذين تعمقوا في خصائص هذه النبتة ووظائفها البيولوجية، كما ركز على رمزية الاستبطان والتوطين لبوزغيبة الإيقونة . فتحت عنوان : إطلالة على عالم عبدالرزاق رزاق، يقول البوحتوري في إحدى فقرات مؤلفه القيم، الذي يضم مقاربة جديرة بالاهتمام :  

” فرحي مرده لكون هذا المتمرد في زيغه الفني خارج السكك المسكوكة ، استطاع أن يتمكن من توطين وتجذير تجربته الفنية ، بعدما اكتشف أن السبيل الوحيد إلى ذلك هو ضرورة ربطها بنبتة طبيعية مغربية قحة لها جذور عميقة في التربة المغربية عبر تاريخها. فبقدر مالها من مظاهر جمالية فاتنة ، لمعان اخضرار أوراقها ، وسحر روعة ازدواجية أزهارها ، بيضاء في نوع، زرقاء في نوع أخر ، زرقة شفافة وحالمة، بقدر ما لها من مكائد إداية وأشرار في الخفاء. فإذن تبطن أفعال الإداية وتظهر أفعال المتعة البصرية. وهذه مجرد مظاهر خداع لهذا العالم المحيط بها ، تظهر عكس ما تبطن ، لذا اكتشفها عبد الرزاق الفنان متأهلة برشد ولياقة وجودية فائقة ، لأن تكون المرايا العاكسة لتعدد وجوه وأقنعة المسلكيات التي تسطو وتهيمن على طقوس عبور حياة أرضنا في جريانه المتلخبط والمدوم .تم استنبطها بذكاء عبقري بعدما اقتنصها عبر استقراء للطبيعة والواقع. بمثل هذه التجربة يتأتى لفننا أن يمسك بخصائص هويتنا في تأسيسه وتكونه من داخله وتطوره من نباتاته ومنابع مشاربه كما حصل في تأسيس الفن الأوروبي الحديث حين أكد الفنان ارتباطه بطبيعة أرضه. ولا داعي هنا لأكرر ما قلته مرارا عن الدور الذي لعبته في هذا الشأن لوحة مانيه “غداء فوق العشب” وهذا ما أوحي لي بنسق   هذه المقاربة. فبتوظيف أمثال هذا الرمز المغربي المتوغل في عمق طبيعتنا وحياة ومعيشة السواد الأعظم من أناسنا إلى حد غدت كثير من أنماط مظاهر هذه الحياة خاضعة لما يخفي ويبطن وما يظهر. يستطيع الإبداع المغربي أن يمسك بضالته ويمتلك ناصية تبلور وتجليات مرامي وظائفه، والخيل الخير في نواصيها.

لم ينشر الكتاب لأن وفاة الكاتب، لم تساعد على ذلك . لكن احتفظ بما أهداني، وكرد للجميل أهديت الجزء الثاني من المونوغرافيا المخصصة لجائزة بوزغيبة للفن الساخر ل محمد البوحتوري ، والتي صدرت في فرنسا سنة 2012 مباشرة بعد موته .