أخر تحديث : الإثنين 27 فبراير 2017 - 11:37 مساءً

وحَدِّثهم عن الكتب الروائية …

بتاريخ 27 فبراير, 2017 - بقلم admin
وحَدِّثهم  عن الكتب الروائية …

رزاق عبد الرزاق

إذا كان حَضّ الكتب الروائية المنشورة في المغرب سيء للغاية، ومصيرها المحتوم هو الإهمال من طرف عموم الناس، لاعتبارات شتى ، فإن الوضعية تختلف تماما عن ما ينشر في أمريكا الشمالية، حيث تعرف المقروئية لهذا الصنف الأدبي مستويات مُشَجعة ، مقارنة مع القارة العجوز، التي هيأت التربة والمناخ لثقافة الأمريكان، بفضل كُتّابها المرموقين ك غوته الألماني، و دي ثيربانتس الاسباني ، وشاتوبريان ، وفولتير الفرنسيين ، وتولستوي الروسي، وشعرائها المؤثرين ك فيكتور هيجو، و فدريكو لوركا.

في البداية، استأنست أمريكا الباحثة عن هويتها الضائعة، بالتراث الأوربي وبرموزه، لأن شعوبها كانت مكونة في معظمها من المهاجرين، جلبتهم المغامرة للعالم الجديد، المنبثق من حطام الهنود الحمر. فبعد ثورتهم الناجحة على الإنجليز، الذين جاؤوا بتجارة العبيد الأفارقة وبضرائب أثقلت كاهل السكان المحليين ، بدؤوا في ترصيص البنيان رويدا، رويدا . ولما استتب الأمر وهدأت الأوضاع، بعد الاقتتال الدموي بين “النورديست” والمحاربين الجنوبيين، بدأت الولايات المتحدة تتطور بشكل سريع، ساعدها على ذلك اكتشاف الذهب بولاية كاليفورنيا والنفط في تكساس. لكن لم تجد عراقيل في طريقها لبناء نظامها التعليمي، لأنه يرتكز على وحدة اللغة وعلى البراغماتية كفلسفة تطبيقية، رغم أن جنوب البلد وغربه كانا يتكلمان الاسبانية. من الطبيعي أن تبرز كفاءات في ظل هذا التنافس الايجابي ، تحث نظام علماني تبناه الأولون، بعد نقاش ، كاد يتحول إلى سجال مسلح، يندر بما هو أخطر.

فعلى مستوى الإبداع الأدبي، سرعان ما أنجب البلد الفدرالي أسماء وقامات تنافس الأدباء الأوروبيين في الجودة الفنية والعمق الفكري، ك مارك توين، وفيتزجيرالد، و همينغوي ، وهيرمان ملفيل كاتب قصة موبي ديك ، و جون ستاينبيك ، صاحب التحفة الأدبية “عناقيد الغضب” التي حولها المخرج السينمائي جون فورد إلى فلم شهير يلعب فيه دور البطولة الممثل هنري فوندا. فرواية ستاينبيك هاته ما هي إلا نموذج من بين مئات النماذج التي تزخر بها السينما الأمريكية. وتبدأ دائما العملية الروتينية بمطالعة الكتب الروائية (Novels) ، من طرف مهنييها النافذين ، بدءا بالمنتج الذي يُمَول الفلم ، والمخرج الذي سيحول الكتاب إلى شريط سينمائي بمساعدة كاتب سيناريو، مختص في فن الاقتباس (adaptation)، محولا السرد الأدبي إلى سكريبت. فاعتبارا لهذه الخاصية ، يصح لنا أن نصنفها مع ما يسمى ب “سينما المؤلف”، رغم طغيان الجانب التجاري عليها ، لأنها ترتكز على التأليف الأدبي ، وليس على الارتجال (improvisation) لتصوير الأفلام ، كما يفعل البعض.

إن الكُتّاب الروائيين في أمريكا الشمالية لَمَحضوضين ، لأن السينما تترقب إنتاجاتهم الجديدة، ومن يبتعد عن المعهود بثيماته الأدبية ، وينتقل بمواضيعه إلى ضفاف أخرى، يمكن أن يعيش من إبداعه، عن طريق التحميل السيبرنطيقي لكتابه الالكتروني (إي بوك)، وهنا تتبوأ اللغة الانجليزية الصدارة بدون منازع من حيث المردودية والانتشار ، لأنها اللغة التي نزل فيها وحي الانترنت، كما أشرنا إلى ذلك في مقال سابق، وما نحن إلا من التابعين.

ففي العالم الفرانكفوني لازال البيع الالكتروني للكتب (إي بوك) في طور البدايات، لكن هناك عدد كبير من الصالونات الفرنسية ترحب بالكتب وبالكتاب الأجانب، وهو الشيء الذي حصل لي شخصيا بعد صدور كتبي الخمسة ، عند ناشرين باريسيين في نسختين ورقية و “إي بوك”، وكنت كل مرة أشارك فيها بمؤلف جديد ينضاف إلى الكمية الأصلية، ففي مشاركتي الثالثة لصالون الكتاب لمنطقة شمبانيا أردينيا (2015) وضعت فوق طاولتي نسخا من كتابي الأخير ”نافارين، أنشودة السلام”، والذي يوجد حاليا في أغلب المكتبات الفرنسية التي لها بوابة الكترونية. فمن فوائد هذه المشاركة هو التعرف على كُتاب آخرين يُقَدرون إبداعك و يعاملونك باحترام، وكذلك على مدن لم أراها من قبل. فالأهم بالنسبة إلي، ليس ربح المال من مبيعات كتبي، لأن ذلك يحتاج إلى حملة دعائية مكلفة، وإنما تغيير الأجواء، والفرار من حالة الاحتقان التي نعيشها في مغرب الألفية الثالثة، والشوق لاستكشاف أفاق إبداعية جديدة مستوحاة من البلدان التي زرتها. ففي روايتي الأخيرة مثلا (Ok , on ira voir ta sœur ) التي حولتها إلى مسرحية ، توجد شخصية تسمى”ميلاني”، و تنتمي إلى هذه المنطقة ، جميلة الاخضرار ، ومتنوعة الأزهار، والتي زرتها ثلاث مرات ، ولها تاريخ أليم كالمدينة التي ازددت فيها، حيث كانت من أولى الأراضي التي دمرها النازيون عند اكتساحهم لفرنسا في الربعينيات من القرن الماضي . وبما أنني “هايكيست” نشط ، أؤرخ جولاتي بشعر الهايكو. فلذي أشعار ثلاثية النظم، على الطريقة اليابانية ، كتبتها في روما، وبورطو، ولشبونة، وباريس، ومارسيليا ، وتونس، واشبيلية ، وقرطبة ، وبرشلونة ، و بروكسيل . ففي الصالون المقبل (منتصف الربيع) سأقرأ بعض منها أمام الحضور، لأن المنظمين خصصوا حصة زمنية لكل مشارك، لقراءة مقتطف من نصوصه، وبرمجوا معرضي التشكيلي الجديد تحت ثيمة : “Haïkus et petits formats ” ، مادام أن الملتقي مفتوح في وجه الرسامين أيضا.

لنرجع لدولة “إي بوك” والفايسبوك، لنتساءل كيف لبلد عرف حربا أهلية أتت على الأخضر واليابس، و نخر كيانه الميز العنصري بين البيض والسود ، أن يعانق فن الكتابة وأن يتحلى بحدس القراءة، في حين أن من يضنون أنهم خير أمة أخرجت للناس ، لا يقرؤون بإمعان إلا استدعاءات المحاكم ، وفاتورات الوكالة المكلفة بتوزيع الماء والكهرباء، والتي حتى لو نُفِخَ في أرقامها نفخا غاشما ، فهم لا ينتفضون ولا يحركون ساكنا ؟ أما المهووسون بسباق الخيل، والذين صار عددهم يتناسل بشكل يثير الاستغراب، فهم قراء من نوع خاص، لأنهم يحفظون عن ظهر قلب أسماء الحيوانات المهيأة للجري وأسماء المتسابقين الذين يركبونها ، ولا يستطيعون ذكر عنوان كتاب واحد لروائي مغربي أو عربي. بل يضنون أنك أحمق إذا فتحت أمامهم كتابا وبدأت تقرأه.

لنتأمل عكس هذه الصورة المخزية، من خلال ما يلي: في الأسابيع الماضية سَلّط الإعلام الدولي الضوء على طفلة أمريكية قرأت قرابة ألف كتاب وعمرها لا يتعدى 4 سنوات، ويقع هذا في بلد الطغيان المادي والأنانية المتوحشة، أي الولايات المتحدة. لماذا تركت الطفلة دميتها المُسَلية و انغمست مند نعومة أظفارها ، في عالم الفكر والكلمات وليس بعد اصفرارها كما عند قِلة أناسِنا؟ لأن والديها أقنعاها مند الصغر بأهمية القراءة في بناء شخصيتها، ونبهاها على أن الأمي كالأعمى يحتاج إلى من يقوده، ويشد بيده إن أراد قطع الطريق، وتجنب الحفر. فكيف لهؤلاء القوم أن يدّعوا أنهم “خير أمة أخْرِجت للناس” وهم يتدحرجون تائهين كالسكارى بين الجهل والغش والأمية ؟ كيف لأناس عوضوا المعرفة والعلم بالمكر والخداع ، أن يمضوا إلى الأمام وأن يتقدموا ؟ هرب الركب عليهم بعدما سَهُلَ استعبادهم من طرف الأجانب، تم استعمار البلد ولازالت ويلاته ورياحه العاتية تعبث به كورق التوت المتساقط من الأغصان ، حيث باءت بالفشل كل المحاولات الهادفة لمحو آثار السكيزوفرينيا وبواعث الانفصام التي غرسها الاستعمار في نفوس المغاربة، للتفرقة بينهم، والنتيجة كما يراها الجميع بالعين المجردة ، لا تُرضي الخواطر، لأن الحداثة المنشودة من طرف العلمانيين والمتنورين والمنبوذة من طرف المحافظين، لم تعرف السبيل القويم، والجو الملائم، وبقي البلد في تردد لا نهاية له، ولم يفلح حتى في ضبط مناهج تعليمه. التقليدانية عرقلت سير الحداثة ، والتقاليد دهستها عجلات التطور المستوحي من الغرب، ومن لم يعجبه عصر الأنوار المعزز بالاختراعات العلمية والتكنولوجية، راح يناجي الماضي في نوستالجيا سلفية ، منغلقة على نفسها ، وتحن لأنماط عيش أكل الدهر عليها وشرب .

هكذا ترسخ التشرذم بين أضلاع المجتمع ، و بقي الجميع في حالة انتظار، بين مد وجزر، ثقافيا وسياسيا و مجتمعيا. فلو كان المجتمع متناسقا و لا يعاني من الشرخ والتفرقة والتمييز الطبقي ، لما كان البلوكاج الحكومي الحالي ، والذي برهن بأن لا ديمقراطية في هذا البلد، ولا يوجد ديمقراطيين حقيقيين يحترمون قواعد اللعبة .

” ما عجبوكمش صحاب لحايا الثيوقراطيين، وحيدوهم بأصوات الانتخابات، ماشي ب تَخْسار الطرح ب مالاعبينش” .

لو كان مجنونو الحكم والتحكم يطالعون الكتب، لكان تصرفهم أمثل، ولو كان الحزب الفائز بالأغلبية للأقلية العظمى ، يحترم منتخبيه ، لرد المفاتيح البيت الحكومي ، للمخزن الذي أدخله في هذه الورطة بذكاء بين، وبحساب “ديموكتاتوري” بمفهوم الفنان الساخر احمد السنوسي، الممنوع من الظهور في قنوات القطب العمومي المتجمد، كأنه ليس مغربيا ولا يؤدي ضريبة التليفزيون، المحشوة في “ورقة الما والضو” .

قد يقول قائل متقول بأنني ضد الاستعمار ، لكن أكتب بلغته، أجيب على القائل المتقول كما أجاب الأديب الجزائري محمد ديب : “أكتب بلغتكم لكن لفضح عيوبكم” . أضف إلى ذلك بأنني لست شوفينيا مَرَضِيا ، كاؤلائك الذين يطالبون بتعميم بعض اللهجات وهم لا يعرفون حتى كتابة أسمائهم بحروفها، ويعتبر المتطرفون منهم أن اللغة العربية دخيلة على كيانهم. أقولها بدون عقدة و بدون حرج : كم كنت أتمنى معرفة لغات استعمارية أخرى، لاكتشاف عوالمها الخفية ، ثم أني لم أهمل اللغة الأصلية، رغم طغيان القافية والنثر على الجانب العلمي والتكنلوجي. لو ترجمت قصصي إلى الانجليزية، لشاهد المهتمون أثارها على الشاشة الفضية آو القنوات الفضائية . السؤال الأهم يظل: “ما هي قابلية النظام السمعي البصري المغربي الذي يهيمن على مجالي الصوت والصورة، على استيعاب الإبداعات الجادة التي تحمل توقيع روائيين مغاربة ؟ إن ” روايتي “بومنجل العسري” تصلح لألف فلم، لأنها تتطرق لمغرب الاستعمار، أما “الفيديوغراف المقدام” فتصلح لأفلام الخيال العلمي ، لأن رساما يتحول فيها إلى آلة تصوير تفضح الطغاة و الشريرين، نفس الشيء مع “دار البوباب” التي استطاع بطل القصة بفضل تكوينه العلمي أن يكتشف اللغة السرية بين مسدس قديم و بندقية في متحف خاص ب”الفار ويست” أي عالم الهنود الحمر ورعاة البقر . أما قصة “زونا” فيوجد فيها “سيسبنس” هتشكوكي. وككاتب سيناريو، لم أنسى الفكاهة لأنني اعتبر الضحك ملح الحياة ، خاصة في عصر “التغوبيش” كالذي نعيشه بمرارة . فمغامرات ” Mister B. Zeguiba ” كافية لمحو الغبن، ولإرجاع البهجة المفقودة، لكن مع من ، مع لعرايشي و صارم الفهري ومصطفى الخلفي، الذي “ما بقاو ليه غير فرائض الوضوء” لبرمجتها يوميا في التلفزيون ؟

مرة أخرى أنصح معشر “اليوتوبيين” و”الايباديين” الذين يريدون الاستماع لقراءة الكتب ، بأن يستعملوا محرك البحث الفيديوغرافي المعروف ، للاستفادة من التسجيلات للكتب التي دخلت مجال الاستعمال العام بالتقادم (حقوق الكوبيرايت)، ومعلوم أن سماع قصة بأكملها لا يتجاوز ساعة، في حين أن قراءتها على صفحات كتاب تتطلب أيام وليالي. فبعض محبي الآداب قاموا بتسجيل قراءة قصص لأشهر الكتاب ووضعوها في يوتوب، من أجل الاستفادة الجماعية ، فبهذه الطريقة استمَعتُ بروائع لم أجد نسخا ورقية لها في مكتبات العاصمة الإدارية الرباط ، وفي عاصمة الشاوية الدارالبيضاء .

اختم مقالي بإحدى الطرائف “اليوتوبية” التي تخص عالم القراءة ، هناك شاب يحب ليون تولستوي لدرج الحمق ، فبادر بتسجيل قراءته للمجلدات الضخمة التي تتكون منها ملحمة “Guerre et paix ” )حرب وسلام (، أقول له برافو ، ويستحق أن يذكر اسمه في كتاب الأرقام القياسية Guinness book على هذا الشغف الجنوني .

تعليقات القراء
عدد التعليقات 0


ان ريتاج بريس الالكترونية تحتفظ بحقها في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر وتشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة ريتاج بريس الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

شروط النشر: ان ريتاج بريس الالكترونية تشجّع قرّاءها على المساهمة والنقاش وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا تسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا تسمح ريتاج بريس الالكترونية بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.