أخر تحديث : الخميس 23 فبراير 2017 - 5:48 مساءً

آفاق وتحديات الصحافة الإلكترونية‎

بتاريخ 23 فبراير, 2017 - بقلم admin
آفاق وتحديات الصحافة الإلكترونية‎

رزاق عبدالرزاق

خُلِقت الصحافة للنضال، لا لجمع المال. مع الأسف تم تمييعها من طرف الدخلاء والحربائيين والمُدّعين الجشعين، الذين بعثروا أوراقها و أفسدوا مسارها، حتى تحولت إلى مهنة من لا مهنة له. وزادتها البرجوازية المتعفنة رِدة حينما بدأت تلهو بطبع صحف تخدم قضاياها الرأسمالية ونرجسيتها، بل إن أغرب الأشياء التي زادتها كاريكاتيرية وعبث، هي التي حولت الشرطة لناشر لمنابر إعلامية تُوَزع على الأكشاك كباقي الصحف ، وهكذا ضاعت الرسالة النبيلة بين لاه ، و أفواه تبحث عن قوتها اليومي. ومع بزوغ عصر الانترنت والميلتيميديا (عصر الحاج بيل غيت) ظهر صنف آخر غير مُكَلِف ماديا بالمقارنة مع الصحافة الورقية التي صارت تحتاج إلى رأس مال قار وضخم لتأدية المصاريف الأساسية (شراء الورق، فاتورات الهاتف والتلكس ورواتب المحررين …). يتمتع هذا الصنف الجديد بسرعة النشر وبحرية أكثر وبقدرتها على تجاوز الحدود الجغرافية التقليدية، لأن الانترنت يضمن لها فرصة الانتشار السريع عبر الحواسب والهاتف النقال، لكن رغم هذا المعطى الإيجابي تبقى حبيسة لبعض السلبيات ، كطغيان الإخباري على التحليلي ، عراقيل اللغة المستعملة و الاحتكام لعدد النقرات على الصور الإشهارية لتحويلها إلى دخل مالي يتغير مع تغيرات الطوارئ والأحداث اليومية ، لأن المستشهرين يعتبرونها هي الأهم، وهنا تلقت الصحافة الالكترونية أول صفعة على الوجه. هربت من الرأسمال الرث فسقطت في أحضانه مُرْغَمة. لكنها بإمكانها مسح أثار الضربة والانطلاق من جديد في العالم السيبرنيطيقي، لأنه أفسح مما نتصور، والأفق لازال فسيحا و أرحب. ففي الصحافة الورقية نجد الصور الفوتوغرافية الاستدلالية ثابتة لا تتحرك، أما صحافة الانترنت فتعج بباقات متعددة ولا تحصى ، من الملفات الفيديوغرافية ، خاصة بعد اختراع يوتوب ، الذي يعتبر أول خزانة في العالم للوثائق المصورة تصويرا حيا، وتوفر للصحافة الالكترونية مكاسب توثيقية إضافية وهامة ، لم تحلم بها من قبل. فمثلا حينما تسقط طائرة كبيرة من الأسطول المدني في مكان ما ويموت جل ركابها ، أو حينما يقع زلزال مدمر ، في بلد ما ، فأول ما يقوم به المتعطش للمزيد من المعلومات هو اللجوء إلى صحف الانترنت و إلى يوتوب، لأن الصحافة الورقية لازالت مقيدة بالعبء الصناعي المطبعي وبمشاكل التوزيع، مما يجعلها متأخرة في سباقها مع الزمن . هناك جرائد ورقية تنتمي للعالم الغربي ، فهمت اللعبة فبادرت بنشر أهم الأخبار في نسختها الالكترونية آن وقوع الحدث ، في انتظار صدور النسخة الورقية في صباح يوم الغد ، هكذا ضمنت بذكاء قراءها الكترونيين والورقيين. ففي عصر السرعة كالذي نعيشه اليوم، لا مكان للكسل. فإما أن تكون “إن” أو “أوت”، و إن برد الخبر، فلا ينفع معه لا غاز ولا فحم لتسخينه. ومن يلجا إلى الدعم العمومي ، الموزع عبر قنوات الوزارة الوصية فليعلم أنه يفعل ذلك للتقليص من حريته ، والحد من جرأته ، لأن هذا الدعم مشروط ولا يمنح إلا للداخلين في الصف، مما يعني التزام الصمت و الكف عن انتقاد الوزارة عند ارتكابها لأغلاط لا تغتفر . لكن المتصفح السيبرنيطيقي الحر لا يقبل هذا الخذلان ، فهو يريد الجرأة والتحدي، ويصفق لمن يفضح الفساد، ويكره من يتستر عنه . فهل هسبريس البدايات “النضالية” هو هسبريس 2017 ألاسترزاقي ؟ و إذا كانت شعبية “ريتاج بريس” و”أخبر كوم” في تحسن ملموس ، فلأنهما ابتعدا عن اللغة الخشبية ، مقارنة مع منابر أخرى انطلقت في نفس الفترة ولكن “تغيست” طريقها بوحل الزبونية و بفضلات “ماسحي الكابا ” .

إن المنابر الإلكترونية التي تستعين بيوتوب تكون أكثر تفاعلا مع المبحرين ومتصفحي الأوراق الالكترونية، وكلما تم حسن الاختيار للوثائق الفيديوغرافية، والمواضيع التي تهم المواطنين، كلما ازداد الطلب على المنبر الإعلامي، والمواظبة على ولوجه ، لكن هنا تطرح إشكالية حقوق الملكية الفكرية. وقدرة الموقع على تحمل “البيكسيلات” الإضافية والتي تعتبر الصور الثابتة والمتحركة أكبر مستهلك لها. فإذا كان الهواة لا يطالبون بهذه الحقوق، فالمهنيون ينبهون عن ذلك . مع العلم أنه يوجد من بينهم من يقبل عن طيب خاطر استغلال أعماله واستنساخها كالمخرج الأمريكي مايكل مور ، الحاصل عي السعفة الذهبية في مهرجان كان4 200 ، عن فلمه الوثائقي فهرنهايت 9/11 ، فهو لا يرى أي عيب في أن تستنسخ أفلامه، وذلك خلافا للشركات السينمائية الهوليودية التي تحذر من عمليات القرصنة وتذكر بالعقوبات في لغات متعددة تضعها في مستهل الفلم ديفيدي.

نصيحتي للمبتدئين الذين يستعدون لإطلاق منابرهم الالكترونية في 2017 : شيء جميل أن يكون لك منبر إعلامي الكتروني ، لأنه متنفسك الحيوي ، و أن تلتزم بمبادئ شرف المهنة ، لكن عليك أن تجعل من التجديد مبدؤك الأسمى ، لأن العالم التكنولوجي يتغير بسرعة البرق، تَعوّدْ على كتابة افتتاحياتك جهد المستطاع خاصة بعد وقوع أحداث مهمة في محيطك أو في بقاع العالم، لأن الافتتاحيات تحمل بصمتك الفكرية و هي التي تحدد لون الموقع الإعلامي وتميز خط تحريره، ففيما يخص أراء المثقفين، يجب الابتعاد عن الرقابة، لأنهم يأتون بالتحليلي، وكذلك لأن الانترنت جاء لمحاربة الرقابة، وليس لتكريسها ، وحاول أن تضع في منبرك وبطريقة حصرية وثائق هامة من تصويرك الفوتوغرافي أو الفيديوغرافي، آو من تصوير متعاونيك ، فهذا هو النهج الأمثل، لأن أهمية الوثائق هي التي ستدفع بالمنبر إلى الأمام وذلك بفضل يوتوب وجوجل ، وبعولمتهما. إن بعض مسيري المواقع الإعلامية ينسون ترجمتها إلى لغات حية أخرى لأن في ذلك فوائد شتى، خاصة اللغة الانجليزية التي نزل فيها وحي الانترنت . كذلك لا تنسى أن تستشير من سبقوك بتجربتهم ، فسيحدثونك بسعة خاطر وبإسهاب عن الإكراهات والمعيقات التي تعترض سبيلهم .

وأخيرا، إذا كان همك الأول هو الربح المادي، وليس النضال التنويري، فاعلم أن هناك مغنيون من الصنف المتدني استطاعوا أن يجنوا أرباحا طائلة من وراء فيديوكليباتهم بعد مشاهدتها على يوتوب، لكن لو أقاموا حفلا في قاعة أو في مسرح لجاءه القليلون ، هنا تكمن مفارقة و سحرية هذا الوسيلة التواصلية العابرة للقارات والثقافات ، التي ستصبح في الأيام المقبلة مُحَملة على الهواتف بصبيب كبير وبجودة عالية. مع الأسف ومن أجل مواكبة ميدانية يتحتم عل صاحب المنبر والطاقم الذي يشتغل معه مغادرة منازلهم والخروج إلى الشارع لتصوير الأحداث المحتمل وقوعها، وقد يرجع الصحافي الربورتير إلى بيته خالي الوفاض، كالصياد سيء الحض، لكن أحيانا قد يعثر عل الكنز الثمين ويستعيد بفضله الوقت الضائع والجهد السديد.

تعليقات القراء
عدد التعليقات 0


ان ريتاج بريس الالكترونية تحتفظ بحقها في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر وتشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة ريتاج بريس الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

شروط النشر: ان ريتاج بريس الالكترونية تشجّع قرّاءها على المساهمة والنقاش وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا تسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا تسمح ريتاج بريس الالكترونية بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.