أخر تحديث : الثلاثاء 13 فبراير 2018 - 12:05 صباحًا

الموقف التشكيلي في المغرب.

بتاريخ 13 فبراير, 2018 - بقلم admin
الموقف التشكيلي في المغرب.

محمد أديب السلاوي

-1-

 

بحكم الوضع الذي يحتله الفن في الحضارة الإنسانية، يتعرض إلى ما تتعرض إليه معطيات الفكر الإنساني الحديث، من تيارات، ومجاذبات، وتبلورات، تتجدد باستمرار، ومن ثمة فإن وقوع الفن في مجال هذه الحركية يجعله في الصميم من فاعليتها التطويرية.

عندما نقر بهذه الحقيقة، نؤكد على أن الفن كغيره من فعاليات الفكر، قد مر من تقلبات حضارية متسلسلة، ليصل إلينا في صورة متطورة، ومنطلقة إلى المستقبل.

 

لقد تناولت دينامية التغيير كل شيء في مضمار العمل الفني، وهذا استقراء جزئي ومبسط لبعض الأسباب الداعية إليه.

 

1- إن ما نشأ غداة عصر النهضة في أوروبا من تطور للمفاهيم الفكرية، كان نواة لتجديد النظرة في قيم الثقافة وتطوير النظرة إليها.

 

2- إن وعي الفن الحديث، بأبعاد التحول المطروح عليه (بعد النهضة) جعل البحث عن إفاقة الجديدة قائما على ما يستوعبه من معان، وعلى قناعته بضرورة التحرك الدائم ليكون في مستوى التلاؤم مع حركية الحضارة، ليستطع بالتالي تأدية دوره الإنساني.

 

3- إن انفتاح أفق الاكتشافات العلمية الحديثة، وما حملته إلى حياة الناس في مختلف مناحيها من تغيير راديكالي، متصاعد، ثم ما نجم عنها من تسلسل الاختراعات التي طبعت صورة العالم، جعلت وضع الفن مختلفا تماما عن كل ما سبقته من أوضاع.

 

4- تلاحق الفكر الفني على مستوى العالم أجمع، دفع إلى ظهور وعي فني جديد، يستوعب ألوان الفن الأخرى المتوارثة في قارات آسيا وأمريكا وإفريقيا دون الاعتماد على التراث الإغريقي كما كان الشأن في السابق.

 

5- إن حقائق الحياة الإنسانية ما بعد الثورة الفرنسية، ثم ما بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، وما أسفر عن ذلك من تبلورات لا حصر لها فكرية وسياسية واجتماعية وحضارية على مدى واسع، أثرت بقوة في مسيرة الفن الحديثة، بكل تحركاته الجذرية الشمولية التي طبعت روح الأزمنة في أوروبا وفي العالم، إن الفن لم يكن مجرد متسلق للتيارات، منفعل بها، وإنما كان ذا فاعلية في المحيط الحضاري والإنساني، بصورة يمكن اعتبارها رائدة في الكثير من الأحيان.

 

بعض المفكرين ينيطون بالفن في حياة الإنسان المعاصر، مهمة على جانب كبير من الضخامة والأهمية، هي العمل على تلطيف أثر الحياة الصناعية المتشبعة بالتوتر والقلق، وتوفير مجال أوسع وأرحب لتهذيب ذوقه، ومساعدته على التخلص من كثافة الشغل الآلي المعقد الجاثم على حياته.

 

وهذه المهمة تضع الفن في موضع مقابل تماما لهيمنة الآلة، وما ينجم عن هذه الهيمنة من مضاعفات، إذ أن هذه المهمة تضع الفن في موقف التحدي المباشر للآلة المطوقة لرقبة الحياة المعاصرة، وهي مهمة تقتضي زيادة ارتباط الفن بقضايا العصر، وتعمقه بمختلف الملابسات الدقيقة التي تواجه هذا النطاق(1).

-2-

ترى هل يمكننا ربط حركية الفن في العالم الحديث، بمفهومها العلمي والشمولي والحضاري، بحركيته في المغرب ؟

لقد لوحظ طوال الأحقاب المتعاقبة في تاريخ المغرب الحديث، وجود تطور متواصل في فن تقليدي متعدد المناهج والأصول.

ويتعلق الأمر بفن وظيفي يكتسي صبغة التكامل المعماري، ومناهج الحياة الجماعية، التي يتجلى طابعها الجوهري في الفنون التقليدية العتيقة، التي يعود تاريخها إلى مئات السنين، وإلى الفنون الإسلامية التقليدية، والتي تتجلى في صناعة الخزف والحلي، والنسيج والزرابي والتطريز والنقش على الخشب والجبص والنحاس، وغير ذلك.

وإذا كانت المحسنات الداخلية، في هذا الفن تخضع لقواعد معينة، كانت من وضع المبدعين، فإن الابتكارات الفردية والجماعية، والمدخلة عليه، ستظل قابلة للتطور والتأمل والنقاش، ذلك لأن الأمر يتعلق بمنهاج حافل، ومرتبط بالتأثيرات والتقاليد الصحراوية، والإفريقية والعربية والأندلسية والبربرية، وكذا بالصيغ الإسلامية على الخصوص.

وقد ابتعد هذا الفن دائما عن “الإصلاحية” السلفية، ذلك لأنها ترتبط على نحو ما بالهندسة، ولكنها هندسة عميقة المعالم، تفسح المجال للكثير من التأويل والافتراضات، وتوحي بعالم لا نهائي من التخيلات البصرية.

وهذا الفن، بوضعه وهندسيته، لا يتطلب معلومات، أو براهين تاريخية أو نقدية أو أدبية لاستقصائه أو تقدير عناصره، ذلك لأن التشخيص البشري نادر فيه، ولأن الفنان المغربي، المسلم كان دائما يعمل وفقا لغريزة التأمل، سواء بالشعور، أو باللاشعور، وكان دائما يعبر عن خوالجه بالألوان والأشكال والتخطيطات والرموز التي كان ينجزها حسب إمكاناته، ووفقا لما كان يشكله في حياته، ولم يكن يلجأ إلا لمخيلته، وبذلك لم يكن فنه ترفيهيا، أو قائما على تسلسل الأحداث.

هكذا نجد أن حركية التطور الحضاري والبشري والتاريخي، قد فرضت على هذا الفن، أن يعرف تحولات نابعة من اكتشاف ألوان جديدة من التعبير الحسي والفني عند إنسان هذه المنطقة العربية/ الإفريقية من العالم.

ولقد كان دور الرعيل الأول من الرسامين المغاربة في هذه الحركية التي أتت بتحول بصري، وفكري-في مجال الفن، حيث أنه لم يتعين عليهم القيام بتعويد بصرنا على بدائع الفن، ولكنهم واجهوا كثيرا من المصاعب لإقناع الجمهور بمحاسن التجديد وفعاليته، وجبريته.

ومن المفيد أن نؤكد هنا، أن نظريتهم الفنية الجديدة قد أدت إلى حدوث انقلاب في بعض التقاليد، ولكن دون التنكر لها أو نبذها.

ولا يوجد في ذلك ما يحمل على الاندهاش، لأن أغلبية اللوحات، الزيتية التي أنجزت انطلاقا من مطلع القرن العشرين، تدخل في نطاق التقاليد الفنية المغربية، باستثناء بعض الرسوم التي تكتسي طابع (الواقعية الأكاديمية).

وتلك هي النزعة التي يتحلى بها كل فنان في قرارة نفسه على إضفاء الصيغة الشخصية عليها في شكل جديد.

وتوجد إلى جانب هؤلاء الرسامين المركزة أبحاثهم  على الرموز، مجموعة أخرى يتميز إنتاجها بالرسم الغريزي المدعو بالرسم (الساذج) ويتوفرون سواء في هذا البلد أو في غيره، على معارضين ومعجبين، وكلهم لا يعتبرون بمثابة الممثلين الوحيدين للرسم المغربي، حيث تسهل قراءة رسومهم التي تبرز ألوانها ورموزها وشخوصها أحيانا، نوعا من الأصالة.

على العكس من ذلك يوجد فنانون آخرون أكثر منهم عددا، يقومون ببحوث مستمرة، رغبة منهم في تجاوز ما يمكن تسميته بالتطبيق الفني (المغلق) الخاص بإنتاج اللوحات المعدة لتزيين الجدران، ويعملون من أجل الطريقة الفنية (المفتوحة) والمندمجة في الفن المعماري، وتدو بحوثهم التشكيلية حول الشوارع والساحات، والبنايات العمومية.

وتدخل في هذا التجديد الفني عوامل أخرى خاصة بالمجتمع المغربي، ويتعلق الأمر بالتنمية وانتشار الوسائل السمعية البصرية والتعطش للمعرفة التي أصبحت تدعو بقوة إلى إعادة النظر في التراث، الفني الشعبي، والعمل على تقويمه من جديد.

-3-

يتضح من خلال الحركية المتطورة للفن التشكيلي المغربي المتمثلة في هذه التظاهرات الفنية، أن الوضعية التشكيلية الحالية تمر بمرحلة غنية بما تحفل به من نقاش، ومراجعات ومحاولات في الداخل والخارج، بما في ذلك بعض الالتباسات التي رافقت/ ترافق الحركة.

إلا أن هناك قضايا هامة تطرح نفسها أمام العمل التشكيلي المغربي، لربما من أهمها ما يتعلق بخاصية هذا الفن بالمغرب الحديث.

هل خاصيته، فيما نستورده من أشكال وألوان ورموز وانجاهات ومدارس من الغرب أم خاصيته، في النقوش والحلي والزرابي وغير ذلك من مظاهر الفنون التقليدية المغربية؟

إن معارض: جامع الفنا، وساحة 16 نوفمبر، ومسرح محمد الخامس (1966) قامت على استغلال التراث لينطلق من ذوق مغربي محض.

ومن خلال تلك المعارض، اتضح للفنانين والمهتمين، أن كل الفنانين المغاربة يجدون في البحث عن نفس اللغة التشكيلية الجديدة المتميزة بالعودة إلى الشكل الهندسي، واختيار الألوان الصافية الفطرية المتجلية في الطبيعة، وفي الزخارف والنقوش المغربية القديمة.

وتجربة العودة إلى التراث التي ميزت هذه الفترة الهامة من تاريخ فننا التشكيلي اعتمدت على البصر، والربط بين الفن والهندسة، بين الفن والآلة (استعمال تقنيات جديدة آلية لإنتاج اللوحة)، بين الفن كإبداع، والآلة كصناعة وتركزت أبحاثها على التراث المغربي، لاستغلاله ونقله انطلاقا من بنيته الخاصة، إن ما فعلته طليعة البصريين في المغرب يلتقي بصفة غير مباشرة مع الحركة الزنجية في الإبداع التشكيلي، والموسيقى، واللغوي، الفرق الموجود بينهما هو نوعية الخاصية الخطية الأسلوبية بين الحركتين، وهذا راجع لنوع الميراث التشكيلي المميز لكل من الحضارتين، الزنجية، والمغربية العربية، وهي في الأخير حركة لها اتصال بمستوى جديد من التجربة التشكيلية على الصعيد الأكاديمي، وخاصة في الغرب أي التجربة التي يطلق عليها الآن. الفن البصري ويرجع تاريخها في أوروبا الغربية، إلى ما قبل الحرب العالمية الثانية، وتتمثل في مدرسة الباوهاوس الألمانية، وحركة الهاردج في الولايات المتحدة الأمريكية، ثم عند فازرلي حاليا، وقد لعبت السوق الشرائية الاستغلالية العالمية دورا أساسيا في نشرها وتدعيمها واعتبارها المقياس الصحيح لمفهوم الفن المستقبلي.

 

إن المدرسة البصرية في المغرب كانت في بدايتها خطوة إيجابية، تجسد الوعي تجاه الهيمنة الاستعمارية، ولكن إيجابية هذه المدرسة كانت محدودة الأفق، لكونها عادت إلى التراث بمفهوم جامد، غير متفاعل، وبالتالي أصبحت حركة تسير جنبا إلى جنب مع الدعوة المتصاعدة في العالم العربي لصالح الرجوع إلى الأصالة، ولكونها ثانيا تصب في حركة عالمية استغلالية، تحتويها الإمبريالية، وتستغلها المصالح الاقتصادية، المعتمدة على تجميل الإنتاج، وإدخال أشكال جديدة على طريقة تقديمه للمستهلك، عسى أن تخفف من أزمتها الاقتصادية (2).

ومن الأكيد أن المدرسة البصرية المغربية، قد صادفت الكثير من النجاح على المستوى الفني والجماهيري.

وأن الأصداء التي تركتها المعارض المشار إليها (مراكش-البيضاء-الرباط) لأكبر دليل على نجاح هذه المدرسة الفنية، إلا أن تطويرها بقي رهينا برواد المدرسة الذين –على ما يظهر- مازالوا غارقين في البحث عن ذواتهم الوطنية، وعن قدارتهم الفنية، واستيعابهم لهذه الوفرة من ألوان التراث الوطني.

-4-

في إطار البحث عن التراث لابد من التأكيد هنا على أن الاهتمام بالتراث، لا يعني عدم الأخذ بالأساليب الحديثة المتطورة والمتجددة، أو عدم استعمال الخامات الفنية التي تستهدفها الصناعة كل يوم، بل أن أي إنتاج فني حديث مهما تنوعت مذاهبه أو اختلفت بين هذا الاتجاه أو ذاك/ بين هذه المدرسة وتلك، يحتاج إلى لمحة من التراث، ليؤكد أصالة الفنان وصدق إحساسه وانتماءه إلى هويته/ وطنه، وليبعده عن التقليد لمدارس فنية أو اتجاهات مستوردة، وللأهمية الكبيرة للدور الحضاري والإعلامي الذي تقوم به حاليا مختلف أنواع الفنون التشكيلية، فإن الاهتمام بالتراث واستلهامه في العمل الفني، أضحى ضرورة حضارية وفنية لا مجيد عنها.

من هذه الزاوية، نجد أن الموقف التشكيلي في المغرب بعد هذه الحركة المتطورة، يرتكز على التراث، باعتباره النبع الوارد لأصالتنا الفنية والحضارية.

ومن خلال هذا التراث استطاع العديد من الفنانين التزام الموقف الاجتماعي والسياسي والثقافي، وتأكيد الحضور الوطني كمبدعين أولا، ثم كفنانين ثانيا وأخيرا.

 

(1)  –  المهدي البرجالي، مجلة الفنون، غشت 1973.

(2)  – محمد بنيس العلم الثقافي

تعليقات القراء
عدد التعليقات 0

ان ريتاج بريس الالكترونية تحتفظ بحقها في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر وتشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة ريتاج بريس الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

شروط النشر: ان ريتاج بريس الالكترونية تشجّع قرّاءها على المساهمة والنقاش وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا تسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا تسمح ريتاج بريس الالكترونية بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.