أخر تحديث : الجمعة 9 فبراير 2018 - 1:37 صباحًا

حول مفهوم الثورة: كيف نعيد لمفهوم الثورة حدته وعنفوانه ؟ جورج لابيكا – الجزء الثاني

بتاريخ 9 فبراير, 2018 - بقلم admin
حول مفهوم الثورة: كيف نعيد لمفهوم الثورة حدته وعنفوانه ؟ جورج لابيكا –  الجزء الثاني

تقديم وترجمة: محمد الهلالي

معاينة الإفلاس:

  1. هناك ارتباط وثيق بين الخطاب حول الأمن والخطاب حول الإرهاب. فالخطاب الأول يدعي أنه يستهدف الإرهاب أيضا، والذي يضمن له غطاء مشرفا ويضعه في قلب العولمة. أما الخطاب الثاني، فيفرض نفسه، في صيغته الأمريكية، باعتباره شرطي “الأمن العالمي”. ويعبران معا عن العنف الذي يميز عصرنا ويستفيد من سوق مزدهرة ومستقبل “جد واعد”، بما أنه يرتكز على  جميع أشكال الصراع: ما بين الأمم والشعوب والإثنيات والمجموعات ذات الخصائص الثقافية المميزة لها عن بعضها البعض والديانات والحضارات والطبقات، وفي مجال الاقتصاد والسياسة والإيديولوجية والمواد الغذائية والثقافة والفلاحة، وفي الشارع والمدرسة والملعب والعائلة وداخل العلاقة الزوجية وفي الورشة والمقاولة…
  2. إن النظام هو المسؤول بكل تأكيد عن بلوغ العلاقات الرأسمالية مرحلة العولمة في مجال الإنتاج، والتي لا زالت تسمى إلى اليوم بشكل محتشم: الليبرالية الجديدة (النيوليبرالية).  ولا حاجة للتأكيد على ذلك. يجب فقط أن نشير إلى أن سبب هذا التنازل هم مسؤولو البنتاغون المصابون بالبارانويا (ذهان هذياني)(27)، الذين أوصلوا التعارض ما بين الخير والشر إلى ذروة اكتماله القصوى كذهان مانوي (يقوم على صراع الخير والشر) ينقلب إلى ضده ليجعل الثنائيات التالية ساطعة وأكيدة: المسيطِرون والمسيطَر عليهم، والمستغَلون والمستغِلون،الأسياد والعبيد،الأغنياء والفقراء سواء انتمت هذه الثنائيات للأسلوب القديم أو الجديد. هذا التشخيص عام. ولقد كان موضوع جميع الدراسات والتحليلات، من الأكثر رصانة وحتى الأقل مجاملة، التي خصصت للعولمة أو للنظام الشامل. ولقد حثت في البداية على التقدير الفعلي ولو بشكل مقتضب للإفلاسات الناتجة عن العولمة.
  3. وأحدث إفلاس هو ذلك المتعلق بالليبرالية. ولازلنا نتذكر الاحتفاء الذي صاحب سقوط جدار برلين، وتسجل هذه الحقبة الرمزية اضمحلال البلدان الأوروبية التي خبرت الاشتراكية المطبقة. وتم إطلاق العنان للمتحمسين في الاحتفال بانتصار اقتصاد السوق والديمقراطية التي كان من البديهي أنها ملازمة له، ونهاية الإيديولوجيات وبالخصوص نهاية الشيوعية التي وصفت بالإجرامية والطوباوية في آن واحد. إن اختفاء الخصم في الحرب الباردة، واختفاء المنافس الذي كانت مناوراته تهدد العالم، جعل الطريق تُعبّد أمام مستقبل يقوم على التقدم والسلم. ومن جهة المهزومين (وأقصد بالمهزومين كل أولائك الذين كانوا في لحظة أو في أخرى، وحسب إمكانياتهم، مشاركين في مشروع بناء مجتمع أكثر عدالة، ولا أقصد بذلك الطماعين الذين هرولوا بسرعة إلى تغيير موقفهم، وحولوا مقرات الحزب إلى متاجر للمنتجات الجنسية) الذين كنتُ واحدا منهم، طغت الأحقاد والمرارة على سلوكيات  الحداد والإحساس بالذنب، وتمت إدارة كل ذلك بإحكام وبذل التضحيات المنضوين الجدد. لكن عشر سنوات هزيلة فقط كانت كافية ليتبخر الحماس من جديد، ولتختنق صرخات الفرح في الحناجر. فاتساع هوة عدم المساواة، في الشمال والجنوب معا، والمآسي التي تشبه السقوط في أعماق الجحيم والتي عاشتها الشعوب التي كانت اشتراكية سابقا، دون الحديث عن مضاعفة الصراعات المسلحة والاعتداءات التي تقوم بها القوى “الديمقراطية”، كل هذه العوامل أجهزت على الانتظارات المتواضعة جدا لهذه الشعوب. فوجود عدو بدا أمرا ضروريا لما تدعيه الليبرالية: لذلك عوّض المسلمُ الشيوعيَّ. فالتنافس ما بين نماذج التنمية من جهة والتعايش السلمي من جهة أخرى أخليا المكان للحرب الشاملة ونصبا الإمبريالية الأكثر قوة على عرش العالم. وهنا أيضا لم يتوقف الزمن عن الانحسار. لم يكن ضروريا، كما لاحظ ذلك إيمانويل فاليرشتاين، الانتظار طويلا لكي تُبدد إدارة بوش رأسمال التعاطف الذي حصلت عليه بسبب اعتداءات نيويورك، وتجد نفسها معزولة دبلوماسيا.(28)
  4. إن مثال الأرجنتين هو مثال كاف للقضاء نهائيا على الآمال النيوكولونيالية: فالأمر يتعلق ببلد غني، انتصر على الديكتاتورية العسكرية، وانخرط في “معجزة” اقتصادية، وهو صديق للولايات المتحدة وتلميذ ممتاز للهيئات المالية الدولية، ومع ذلك غرق  بقضه وقضيضه كما تغرق سفينة من سفن القرن السادس عشر.
  5. هل هذا يعني أنه يجب التأسف على حقبة “المعسكر الاشتراكي”؟. رغم أن العديد من استطلاعات الرأي والأبحاث الميدانية المتعلقة بالرأي العام في أوساط الأمم المحررة من “الديكتاتورية البلشفية” تشهد على انتشار واسع للإحساس بالحنين، مقارنة مع الانتقال إلى الرأسمالية الموجودة فعليا، فليس من المقبول قبول هذا الجواب. فهذا الجواب لا يقود فقط إلى طريق مسدود، وإنما يجدد الجهل بما شكل بدون شك مأوى الانهيار: أي عدم ابتعاد الأنظمة الاشتراكية بالشكل الكافي عن “النموذج” الغربي، لأنها قلدته في عدة أوجه منها الإنتاجية الاقتصادية والاحتكار السياسي المخول للجهاز التنفيذي. لن نخوض هنا في موضوع الجمع ما بين العوامل الداخلية والخارجية لتفسير الفشل، وليس هذا مجال القيام بفرز ما هو إيجابي عما هو سلبي. لقد تطرقت العديد من الدراسات الجدية لما هو أساسي في هذا الموضوع. وسأكتفي باقتراح حُكمين للتفكير، وهما حكمان لم يستنفذا استخلاص العبر منهما.   الحكم الأول مستعار من جورج لوكاش، الذي كان سابقا للأحداث التاريخية اللاحقة لما برهن على أن الستالينية لم تتمكن من أن تمثل بديلا عن الديمقراطية البرجوازية مثلما لم تتمكن الديمقراطية البرجوازية من أن تمثل بديلا عن الستالينية(29) (عبر لوكاش عن هذه الفكرة في كتابه الذي تركه غير مكتمل سنة 1968). والحكم الثاني هو إحالة على فكرة مستفزة عبر عنها إرنست بلوخ لما صرح قبل وقت قصير من وفته في حوار تلفزيوني “بأن أسوأ الشيوعيات أفضل من أحسن رأسمالية”.
  6. إن الاشتراكية الديمقراطية والأحزاب التي تؤثر فيها عبرت عن فرحها وعن انتصارها هي أيضا عند سقوط الجدار. فهي بطبيعة الحال كانت المستفيدة الأولى لأنها وصلت إلى السلطة بفضل هذا السقوط. وهكذا تلونت خارطة أوروبا السياسية باللون الوردي (لون الاشتراكية الديمقراطية)، وانتصر أخيرا الانتهازيون على الشموليين (الذين لم يعودوا يسمون بالثوريين). ووجدت “الديمقراطية” (بدون أية أوصاف إضافية) والسوق أبطالهما.  ولم يعودا خائفين من تحدي الرأسمالية. لم نعد نسمع الحديث عن “الاقتصاد المزدوج” الذي عليه أن يضمن انتصار القطاع العام على القطاع الخاص، ولا عن “مشاركة العمال” ولا عن “أوروبا الاجتماعية”، بل لم نعد نسمع الحديث حتى عن “حرب إنسانية”. وسوف يبدأ عهد الحق: دولة الحقن حقوق الإنسان، الحق الدولي، لكن هذا الذي يسمى بالرأسمالية يعاني من صعوبات كبيرة أكبر مما كان يظهر للعيان، والخصوم ليسوا في المستوى، اللهم إلا إذا لم يكونوا خصوما. لكن ما يسود في الواقع هو التهام القطاع الخاص للقطاع العام(31) عبر عدة طرق منها “الزيادة في رأسمال” المقاولات و”شراء الأسهم” وتضخيم نسب العاطلين عن العمل، وخلق تصدعات بين مكونات أوروبا، واستمرار أوروبا  في القتل والتدمير ونشر الخراب الشامل، واستمرار استغلال الحق لخدمة الأقوى.(33) وهكذا لم يعمر الانفراج طويلا. واعترف البديل الاشتراكي الديمقراطي بدوره بإفلاسه بشكل أسرع مما كان متوقعا: والمقصود بالبديل هنا النموذج المثالي، أي البرامج والوعود. أما الأفراد، الذين كانوا مجرد منفذين، فلم يتأثروا بهذا المآل وينوون البقاء في مقاليد السلطة، ويعتقدون أنهم لم يكونوا مذنبين أبدا، بل كانوا واقعيين فقط. كان مصيرهم مشؤوما، وكان عليهم أن ينحنوا تحت ثقل هذه الحمولات الثقيلة التي تتجاوز طاقاتهم. وبهذا الشكل سادت الفكرة التي تقول بأن “قوانين” السوق تخضع مثلها مثل قوانين الطبيعة للحتمية أو للضرورة وأن “الدولة لا يمكنها أن تقوم بكل شيء”.

وبمجرد ما أنجز “الاشتراكيون”  مهمة جعل الشعوب تتجرع التدابير الأكثر لا شعبية، لم يعد أمام اليمين إلا استأناف العمل بالعودة إلى “تسيير الشؤون الاقتصادية”. وهكذا يحل عهد “الأذرع المكسرة” ويدوم. سأكتفي بإثارة نتيجتين ملازمتين لموجة الاشتراكية الديمقراطية: لقد ابتلعت الاشتراكية الديمقراطية الأحزاب الشيوعية “الغربية” وذالك وفق عدة أنماط من عمليات الابتلاع المكشوفة والمقنعة، وعبر انشقاقات أو انقسامات داخلية. لم تندثر جميع الأحزاب الشيوعية ولكنها تأثرت كلها بموجة الاشتراكية الديمقراطية. ولقد سرَّعت تحالفاتها مع الرابحين، سواء كانت هذه التحالفات غبية أو انتهازية أو منحرفة، انحطاطها عوض أن تضمن بقاءها على قيد الحياة. إلا أن المجموعات التي أرادت الحفاظ على هويتها لم تنجح، وهي تكرر الصيغ القديمة، إلا في إضفاء الشرعية على انسلاخ المنشقين عنها، وفي تعزيز انزياح النزعة الإصلاحية نحو قبول النظام المهيمن على الرأي العام.

  1. إن ما سمي “بالطريق الثالث” لا يستحق أدنى التفاتة. كما أن الحل الذي قدمه الثنائي “طوني بلير/أنطوني جيدنز”، والذي تبناه في وقت ما “جيرارد شرودر” (الذي كان يقدم نفسه كصاحب موقف أصيل داخل الاشتراكية الديمقراطية) هو حل فاشل. أما نوايا “اليسار الجديد” في فرنسا وبعض المرددين للكلام الفارغ، والتي كانت ظرفية وانتخابية أكثر مما كانت نظرية فهي نوايا فاشلة أيضا. وهناك أيضا الموقف القائل بوجوب استبعاد الاتجاهين المضرين بالإنسانية بنفس القدر من الضرر وهما الرأسمالية والشيوعية. وتجسد هذا الموقف في رأيين تم التعبير عنهما بشكل متزامن. صدر الرأي الأول عن يوحنا بولس الثاني الذي أصبح من المؤكد أنه خاض صراعا من أجل الإطاحة بأنظمة أوروبا الشرقية، أما الرأي الثاني فصدر عن الشيخ الترابي الذي يعتبر ملهما وموجها لإسلام متشدد، وربما لإرهاب كان سيتخذ الولايات المتحدة هدفا له. وكانت النتائج التي استخلصاها معا من رفضهما المشترك مختلفة بطبيعة الحال. فالأول يرى في ذلك انتصارا للكنيسة والثاني يرى في ذلك انتصارا للإسلام. أما الخاصية المشتركة بينهما فهي: الأصولية.
  2. ويمكن أن يتم التنويه بالتنظيمات التي تعلن انتماءها للفكر التروتسكي، والتي اعتزت بكل مشروعية، غداة سقوط الجدار، بموقفها المعادي للستالينية والذي اتخذته في وقت جد مبكر. لم تنجح هذه التنظيمات في أن تفرض نفسها في الساحة السياسية، وبالخصوص في فرنسا، بعد عدة سنوات من التواجد (بداية 2000) إلا اعتمادا على فشل سياسات الاشتراكية الديمقراطية، هذا الفشل الذي يعتبر مؤشرا عن وجود عوائق تخص الظرفية توقعتها تحليلات تلك التنظيمات قبل حدوثها. كما نعرف أنه لم توجد تاريخيا أية تجربة سياسية لهذا التيار التروتسكي.
  3. قدم سمير أمين في تحليله للرأسمالية العجوز حصيلة أساسها الإفلاس فبعدما “استنفذت النماذج الثلاثة (أي النموذج الغربي، والنموذج السوفييتي، ونموذج الدولة الوطنية الحديثة في دول الجنوب) مؤهلاتها التنموية، انهارت دون أن تكون قد تشكلت بوضوح وانسجام بدائل جديدة تسمح للدول والشعوب والأمم من الذهاب إلى أبعد مدى”.(35)

هوامش:

27) لا علاقة لهذا الوصف بالغضب، بل هو وصف مشروع، لأنه يبتغي التأكيد على وجود عدة عوامل تبرر مصالح الحرب السياسية والاقتصادية، ومن بينها العوامل الذاتية من قبيل الانتقام (من صدام حسين) والثأر (باسم بوش الأب) وقد ألبست لباس المهدوية الصبياني.

28) أنظر:

The Aftershock, n°108, 1 mars 2003, Frenand Braudel Centre, Binghamton University.

29) أنظر مؤلف لوكاش الذي تم نشره سنة 1985 بالفرنسية في ترجمة غير موفقة لعنوانه حيث ترجم على الشكل التالي: “الاشتراكية والدَّمقرطة”، المنشورات الاجتماعية، 1989.

30) هذه السيرورة هي في طريق الترسيم، عبر الاتفاقية العامة المتعلقة بالتجارة والخدمات والتي لا تشير بالمرة للمرفق العمومي.

32) سيتم التفكير في الإجراءات القانونية وفي عمليات نقل الكفاءات التي ستؤسس الجهوية في تجاهل تام لدساتير الدول الأعضاء.

33) أنظر جورج لابيكا، “الاشتراكية الديمقراطية ومجالها الهش”، ضمن العدد الذي خصصته “فيتور أنتيريور”  للسياسة في فرنسا، 1995. وأذكّر بموقف إرنست بلوخ من الاشتراكية الديمقراطية حين قال: “تتجاهل الاشتراكية الديمقراطية أن الاشتراكية تفترض الثورة، لأن غياب الثورة يسمح بميلاد رأسمالية الدولة”. أنظر مؤلف إرنست بلوخ:

Le Principe Espérance, t, II, Paris, Gallimard, 1982, p. 542.

34) أنظر مؤلف فاوستو بيرتينوتي وألفونسو جياني الذي يحمل عنوانا بليغا جدا هو التالي: “هذه الأفكار التي لا تموت”، باريس، 2001، منشورات لوتان دو سوريز.

تعليقات القراء
عدد التعليقات 0

ان ريتاج بريس الالكترونية تحتفظ بحقها في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر وتشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة ريتاج بريس الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

شروط النشر: ان ريتاج بريس الالكترونية تشجّع قرّاءها على المساهمة والنقاش وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا تسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا تسمح ريتاج بريس الالكترونية بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.