أخر تحديث : الخميس 8 فبراير 2018 - 2:42 صباحًا

وقليل من الحب يكفي !

بتاريخ 8 فبراير, 2018 - بقلم admin
وقليل من الحب يكفي !

بقلم:فاطمة الزهراء صلاح: كاتبة مغربية

في يوم ما ، ذهبت لأستلم شهادة السكنى ،من مركز الشرطة القريب . وكنت قد طلبتها أسبوعا من قبل . حين وصلت اخبرني الموظف ،أن عميد الشرطة الجديد يريد أن يراني شخصيا ،وطلب مني العودة في اليوم الموالي . أمضيت ليلة عصيبة لم يغمض لي جفن من كثرة الهلع . سكنني خوف الطرد من المغرب سنين طويلة ، أنا الجزائرية ، نظرا لتوتر العلاقات بين البلدين ، وأنا جذوري كلها هنا !
ذهبت لمركز الشرطة في اليوم الموالي . ارتجفت . استقبلني العميد ببشاشة مفرطة ، زادت من هلعي و توتري . أخاف من كلام الرجال المعسول ولا أثق به أبدا . أحتاط منه كثيرا . كم من قشرة موز انزلقت عليها حين انطلى علي التعبير الرجالي المنمق الزائف ،وكنت ظمأى للحب .. وأي حب .. يا شرف الحدود ، لا شيء يداوي جوع الحب في الطفولة !
رأى عميد الشرطة وثيقة المعلومات الخاصة بك ، يا فاطم الزهور، قبل أن يمضي على شهادة السكني التي لا تعترفين بها . نظر طويلا إلى الوجه الحسن . تفحص الملامح التي أعجبته مليا . توقف طويلا عند العينين الساحرتين ، وبدأ يبحر فيهما . الموت فيهما كالحياة .. تنتميان إلى العيون الجناة التي تتغلغل في الضلوع ، بدون ملة ولا حياء . رجع به الحور إلى الوراء .. إنها تشبه عيني أمه ،الملونتين بأزهار جبال الأوراس في روعة فصل الربيع .. بضحكتها ،يشرق الكون، وبدمعها ،يعم الليل . حلم بالصدر وبنعومة الفراش .
قال بداخله : إنها جميلة ،وتستحق تفتيشا داخليا عميقا ،وزيارة خاطفة لعش الغرام ولو لمرة واحدة .. فهل هي قابلة للكسر وشكلها قبائلي ” شلحة ؟ “. ألهمته بكل المحرمات .. فسبح في الخيال، وركب صهوة جواد ” التبوردة ” وهو لوحده ، و لا من يحاسبه أو يراه إلا السماء ، صدرها واسع ورحيم !
وها هي الأنوثة والجسد والهوية يجتمع على مكتب العميد .. احتفالية بالوعي العربي ! يتراقص أمام عينيه ثقل العجز، وامتلاء الساق ،وتشعلان شبقيته .. لا لن تستطيع أن تقول لا .. إذا كانت في حاجة للوثيقة . وتغدو المرأة – الإنسان على هيئة الناقة في بعض أجزائها ، وعلى صورة ” الفَرْسَة والرفيسة بالحلبة ” ،أو الفُريسة في سائر الأعضاء ..
أنا العميد .. لا .ستخاف و تمتثل “كلقطيطة ” .. ثم ينظر إلى الاسم ويصرخ .. نعم يا فاطم الزهور ، انتبه إلى الإسم ،وطار صوابه واشتعل شرف القبيلة هذه المرة في داخله ، و اختلف رد فعله في ثانية .. انطلقت سيوف الكلمات ،والشرف الغائب وهما دو حدين .. احمر وجهه ،ولعن نفسه الهشة واستغفر ربه .. استقام في جلسته ولبس قناع الرجل المسؤول ..
وما بال الاسم قد جمد دمه ؟
أطال النظر ،إلي وأنا أقف أمامه مرتعدة ،ولا أعرف كيف سأدافع عن نفسي ، ثم قال : شاهدت صورتك التي استوقفتني ساعات . فكرت : امرأة جميلة . وددت لو ” نشوفها ” وأتعرف عليها أكثر. ” الزين كيحب الله ! ” وأنت فاتنة.
تحمر وجنتاي .. ألعن نفسي وترابي .. كيف سأنجو بجلدتي ،وأهرب من حياتي التي أتعبتني . تجمد الدم في عروقي ، تصورته ينهشني ليقضي وتره وأنا مغلولة اليدين وتحت سيطرته و قبضته الحديدية . من سيعطيني شهادة السكنى ؟ أتخيله يقطع ملابسي الداخلية ” طراف طراف ” ليخيفني أكثر . يأخذ صورا عارية لي ليمارس علي التهديد كلما اشتهاني .. مت وحييت ألف مرة وغاب لون وجهي من الهلع . أستسلم حتى لا أطرد من بلد أمي .. أموت .. أموت لا.. تنتحر كرامتي .. تعالى يا شرف الحدود ، دثرني فأنا أرتعش ..
لا ! يا أمي .. لا ثم لا ..
إن قلت لا … سيستغل ضعفي ويطردني خارج الحدود … كيف أهرب من استغلال الرجال … ذهلت … ذعرت … لقد أعجبته ..
أفكر: كيف سأواجهه ،وكيف سأراوغه ؟ هل أخرج أظافري كالقطة المبللة المسعورة ، وبمخالبي أهشم عنقه .. ” نطير على وجه بالخبيش والنتيف والغوات ” حتى أدمي بشرته، وتصبح مصلوبة كجسد المسيح ؟ سيسجنني .. يرحلني إلى أبعد حدود لأني ” تقبحت ” على رجل السلطة ! وماذا سيفعل بأطفالي المغاربة ؟ سآتي بأطفالي وأمي ونحطم العميد ونشتكيه لرئيسه . سأكتب عنه في صحف المعارضة .. تتسابق الصحف على مقالات ” الشوهة ” وتنسى الأساسي ..
تجول الآن قصة المفتش ” ثابت ” في ذاكرتي في ثانية واحدة . شكرت القضاء على نزاهته المدوية . شعرت بالاطمئنان . ستنصفني ” وزارة العدل . وهناك عمداء شرطة شرفاء .. وأطمئن نفسي المذعورة التائهة .. ” ستصل مبيعات الصحف إلى أعلى رقم و يربح مسيروها . سيتكلم الكل عن استغلال الإنسان الضعيف في الظروف الهشة ،وعن دور العدالة والتربية داخل البيوت . ستنظم التلفزة مائدة مستديرة خاصة حول ” ما تقيش نسا بلادي . ” سيذكرني المغني الشعبي في أغنيته “ظروف . ” و سيلتهم الباقي مني النميمة في الدروب الفارغة .
“مات المفتش ” ثابت ” وانتصر الإنسان . ترى هل يشبهه هذا العميد الشاب المؤدب الحاضر أمامي ؟ تحضرني سورة ” تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَ مَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ .” الأول دعاء على ” أبي لهب ” والثاني خبر عنه . ”
يا فاطم الزهور .. وا معتصماه ! أنا أم شابة فاتنة ومطلقة . ترصدني عيون المجتمع أينما ذهبت . المطلقات الشابات الجميلات ، سلعة مرغوب فيها كثيرا في سوق المتاع ! حين أسأل بعضهم عن ذلك ، تخجلني أجوبتهم الحيوانية ، وأتساءل عن الوعي والإنسانية ولا أجد مكانا لا لأمهم ،ولا لأختهم، ولا حتى لبناتهم . أصمت .. قال لي يوما أحدهم: ” من تدخل المحراب، تخرج حاملا . ” وانتهى الكلام .
كان العميد واسع العينين ويشبهني كثيرا ! التصق نظره بنظري . كنت في أبهى الحلل ، فالأناقة من أكبر اختصاصاتي والكعب العالي لا يفارقني ! قام العميد الأنيق من مقعده. حضنني بقوة خنقت أنفاسي ، ثم بدأ يشم شعري وعنقي ، وكأنه في سباق مع الزمن .. أحاول الهروب من قبضته .. كيف أواجه هذا التحرش الجنسي .. خفت ، مت ، تزحلقت ، سقطت ، تكسرت وعويت .. كاد يغمى علي .. شعرت بخلل في مؤخر رأسي.
صاح : تعالي يا ابنة خالي الجزائرية ، فأنا ابن عمتك ” فاطمة ، المغربي من ” وجدة .” هل تتذكرين عمتك ” فاطمة ؟ ” أخت أبيك الشقيقة ، زوجة ” الحاج أهلول ، التاجر بشارع مراكش .”
التقت عيناي ببصره الشاحب ، تسمّرت على الكرسي المعطوب ، تجمّد الدّم في أوعيتي ، سمعت طنيناً مدويا في أذني، وسكنت الكلمات على شفتي .. يا أمي ، ابنة خاله ! أنا الجزائرية القبائلية ولا أعرف ابن عمتي المغربي الوجدي . وأكتشف أنه جاري في الحي، بمدينة الرباط !
التقى موتي بميلادي في رمشة عين ، يا شرف الحدود ! بكيت في أحضانه بحرقة متفردة .. شممت فيه كل عائلتي التي لا أعرفها . أبعد عني شبح الخوف من الرجال مؤقتا . خفت من طامة كانت على وشك أن تلم بي تحت ضغط الظروف السياسية . فكرت في الطرد من بلدي إلى بلد واسع العينين . وها أنا الآن أجد ما يقوي حضوري ويدعمه . نسيت الهموم واستقام ظهري وطالت قامتي فجأة .
يشهق شرف الحدود ، يا فاطم الزهور ، أنتِ رواية عميقة ، أقصها على نفسي كل ليلة قبل النوم ،ولا يعرفها أحد!
اشهد ، يا شرف الحدود ، ولا تنس أبدا . سجل !
يجيب شرف الحدود : قدرك ، يا فاطم الزهور ، أن تكوني مفترق طرق ،لا تتعب المراكب من عبوره . تعبر وتعبر ، وأنت مثل خيمة بلا أعمدة ، تشربين التجارب .. في سفر لم يحدد توقيته ولكن ، تستفزينني .. لماذا ؟
أنظر إلى شرف الحدود ،وأبتسم في صمت !
بكيت بصوت عال أمام ابن عمتي على الزمن المسروق مني . حاولت أن أشم في ابن عمتي رائحة واسع العينين . كان وسيما ، طويل القامة ، ذا شعر فاحم أملس ،وواسع العينين ! بللت قميصه . لطخته بمساحيقي . لم أحك له أي شيء عن حياتي التي كانت ضنكا وشظفا . لن يفهم ابن عمتي . إنه من أسياد المجتمع . حياته حلقات مشدود بعضها إلى بعض . لا توجد مشاكل فيها ولا عقبات تمنع انسيابها ، وسط عائلة قوية لم تفرقها ظروف الزمن ، بل طعمتها بالاستقرار وبالرخاء، . ساورني شعور بالاطمئنان لبرهة ، فابن عمتي من الشرطة وأنا في عز شبابي وسيحميني . أمُه جزائرية وأبوه مغربي ، فما همني أنا من الجنسية وأطنان الوثائق و” سر وآجي يهديك الله ” ،وطلوع أدراج طوابق لا تعد ولا تحصى ،ولن تكون لها نهاية مدى الحياة ، على أي حال . ما همني من البحث عن هوية بدون ذات ، واستجداء كرامة موءودة ممنوعة ؟ علمت ، بعد ذلك ، أن العديد من الوجديين ، من أصل جزائري، تقلدوا مناصب مهمة في الوزارات، بفضل العلاقات المتمركزة في صلب دوائر القرار .
ما بالك تصرخ يا شرف الحدود : الكشف عن المسكوت عنه في علاقة المرأة بذاتها وبواقعها .. رجة فكرية تخلخل الثوابت في ثقافة تتستر على عيوبها .. تهت يا فاطم الزهور ، في أحشاء الليل ، ووجدتني أتلمس طريقي إليك .. لأرى ماذا تفعل الذاكرة مع حزن أسطورة سوداء على وجه جميل ،وهي تداعب وتر القوافي ،وتروي نتاج الذاكرة في توارد للأفكار .
وقليل من الحب يكفي !

تعليقات القراء
عدد التعليقات 0

ان ريتاج بريس الالكترونية تحتفظ بحقها في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر وتشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة ريتاج بريس الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

شروط النشر: ان ريتاج بريس الالكترونية تشجّع قرّاءها على المساهمة والنقاش وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا تسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا تسمح ريتاج بريس الالكترونية بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.