أخر تحديث : الإثنين 4 ديسمبر 2017 - 10:17 مساءً

الأسئلة المنسية في فكر محمد عابد الجابري

بتاريخ 4 ديسمبر, 2017 - بقلم admin
الأسئلة المنسية في فكر محمد عابد الجابري

 الباحث السوسيولوجي الدكتور فريد بوجيدة

لقد طرح المفكر المغربي محمد عابد الجابري قضايا حارقة تتعلق بالتراث والهوية والدين والديمقراطية، والتي خلقت جدالا واسعا بين المهتمين، وكانت ردود أفعال قوية حول ما كتبه الجابري خاصة تأكيده المستمر على بعض الأطروحات التي دافع عنها في مناسبات متعددة وتخص المسألة الثقافية، وحقوق الإنسان، وقضايا الدين والهوية… ولم تأت هذه الردود من تيار فكري واحد، بل من تيارات فكرية متعددة. 

حينما نتعامل مع فكر محمد عابد الجابري نستحضر خاصتين أساسيتين تَمَيّز بهما عن باقي المفكرين العرب وهما:

أولا: ارتباطه بمسار سياسي ممتد في الماضي (الحركة الوطنية)، وتموقعه الفكري والإيديولوجي في الحاضر (انتماؤه الحزبي)، ورغم تنوع مساهماته النظرية في التراث الثقافي والفلسفي والتاريخ والنقد الفكري، فهو يعلن دائما هذا الارتباط ولا يتحاشاه يقول في هذا الصدد “لقد قُدّر لي أن أعيش الموضوع من داخله فأنا مشاهِد ومشاهَد في الوقت نفسه: كنت في الشارع أطل على نفسي من النافذة وكنت حاضرا في الموضوع بدراسات ومحاضرات ومؤلفات ومازلت”.

الأمر الثاني (وهو مرتبط بالأول) إيمان الجابري الراسخ بالمستقبل (اشتغاله على مشروع كبير) وارتكازه على رؤية متماسكة منذ السبعينات سواء على المستوى المفاهيمي أو المنهجي، رغم توسع مشروعه وتراكم أعماله الفكرية وتنوعها، ونستحضر في هذا الإطار موقفه من الثقافة والمثقف، المفهومان اللذان حدد مضامينها في بواكيره الأولى، سواء في كتبه أو في المقالات التي نشرها في مجلة مواقف المغربية.

 يرى محمد عابد الجابري أنّ الفكر العربي كان محكوما بالقضية الوطنية، وأن المعنى الحقيقي للثقافة ارتبط بمفهوم آخر هو الوطنية أي أنّ ما كان يشغل الفكر العربي في الخمسينات والستينات ليس المعنى الأكاديمي ولا المعنى الانثروبولوجي لمفهوم الثقافة بقدر ما كان يشغله مفهوم آخر هو الثقافة الوطنية، نظرا للوضعية الاستعمارية التي عاشها، يقول بهذا الصدد:

“إن أصالة الثقافة ليست في كونها ذات جذور في الماضي وحيز في التاريخ فقط وإنما أصالتها كامنة بشكل أوفى وأعمق في قدرتها على التعبير الصادق عن الحاضر وآلامه والمستقبل وآماله وبما تقدمه من إمكانيات تدفع إلى الأمام وتعجل ببلوغ الهدف”.

هناك حسب الجابري أيديولوجيتان متصارعتان: الليبرالية والاشتراكية العلمية الليبرالية وتعني الاغتراب في الغرب وهوا لذي يمثل نظريا بعض التيارات الفكرية مثل البرغسونية والوجودية والشخصانية والسريالية الماركوزية والوضعية المنطقية… أما الاشتراكية لعلمية فهي لا تمثل تيارا معينا وليس لها أسس في الواقع بمعنى ليس هناك فكر يهضمها وتنظيم شعبي بروليتاري يمارسها. ولذلك وانسجاما مع تحليلاته السابقة يرى الجابري أن البديل يتمركز في الثقافة القومية التي ترتكز على أعمدة ثلاث:

اللغة القومية (اللغة العربية).

ـ أن تكون ثقافة الشعب كله (وما يستتبع ذلك).

ـ أن تستوعب الماضي وتتوجه إلى المستقبل.

ما الذي يجعل الجابري متشبثا بهذه الأطروحة رغم تقادمها ؟ في الحقيقة يرى الجابري أن العالم لم يعد موضوعا لتنافس الاديولوجيات بل مجالا للاختراق الثقافي الذي يستهدف العقل ووسيلته في ذلك الادراك. كان الصراع الاديولوجي يستهدف تشكيل الوعي تزييفه أو تسطيحه، أما الاختراق الثقافي فيستهدف السيطرة على الادراك يعني تسطيح الوعي وجعله يرتبط بما يجري على السطح من صور ومشاهد ذات طابع إعلامي وإشهاري مثير للإدراك مستفز للانفعال حاجب للعقل.

سنحاول أن نناقش تصور المفكر محمد عابد الجابري من خلال ما اعتبرناه في البداية رؤية متماسكة مشدودة بخيط ناظم، يتحكم فيها منطقان يتقاطعان دائما الأول سياسي والثاني ثقافي، وسنناقش هذه الرؤية من خلال الاستثمار الموجه لثلاثة نصوص فكرية للمفكر المغربي، وسنطرح السؤال التالي: هل هناك علاقة بين مسارات السياسة في المغرب ومسارات الثقافة بشكل عام ؟

النص الأول: يقول محمد عابد الجابري “”لكن في نظري وبالنسبة لحزب الاتحاد الاشتراكي لا خطر. وفي هذا الصدد يعجبني تشبيه بعضهم له بالعجين. كان هناك من المنظمات الوطنية من ينتظر تشتت أطر هذا الحزب ليستقطب منها. ولما لم يحدث شيء مما كانوا ينتظرون: قال أحدهم: من الخطأ انتظار انشقاق الاتحاد، فتركيبته تركيبة عجينية. فعلا الاتحاد كالعجين في اليد، يمكن أن يتبعض بين الأصابع إذا ضغطت عليه، ولكنه لا يتفتت كما تتفتت القطعة من السكر”.

المشكلة الأساسية في هذا الطرح تبدو في عدم إدراك (في حينه) أن القوانين العلمية التي تتحكم في المادة تجري كذلك على الجسد الحزبي، كما تجري على الموجودات الأخرى، ذلك أن مسارات السياسة في المغرب، ومنذ نشوء الخلايا السياسية الأولى، عرفت النمو والارتقاء كما عرفت الوهن والتحلل، عرفت الازدهار والتوسع، كما عرفت الأزمة والاندثار، وأن ما نعيشه الآن من استمرار بعض الهياكل الحزبية ليس دليلا على تجدد الأنفاس بقدر ما هو إعادة إنتاج هياكل بدون روح، وأن العمل الحزبي مرتبط بالظاهرة الانتخابية، ولم يكن ممكنا لرجل مثل عابد الجابري أن يستسيغ رؤية الأحزاب وهي تتهاوى مثل وريقات الشجر، خاصة أن حزبا مثل الاتحاد الاشتراكي شكل العمود الفقري لحركة التحرر قبل أن يصبح وجوده عنوانا للديمقراطية الجنينية في المغرب، فهو الحزب الذي ورث الحركة الوطنية في بعدها التقدمي ،كما استلهم الثقافة الاشتراكية في بعدها القومي وامتداداتها الشعبية، وكان تنظيما يملك من المقومات الهيكلية المتنوعة ما يجعله طرفا أساسيا في الاستقرار، ذلك أن جميع الفئات (شباب وشيوخ نساء..) كانت ممثلة فيه، كما أن التشكيلات الاجتماعية المتنوعة كانت حاضرة داخله (موظفون، فلاحون عمال، طلبة..).

النص الثاني: يتساءل محمد عابد الجابري

“فهل هناك حقا مسألة أمازيغية؟ هل هناك مشكلة، وما هي ؟ أنا أمازيغي، ولم أتعلم العربية إلا في الثانية عشرة من عمري، وما زلت أتكلم أمازيغية بلدتي بطلاقة”.

المشكلة الثانية أن عابد الجابري ينكر تماما أن هناك مسألة أو مشكلة أمازيغية ولا نجد في كتابات الجابري حديثا عما يشكل ثقافة مغربية خارج الثقافة الشرعية أي الثقافة العربية وهي التي يسميها الثقافة الوطنية. (يراجع في هذا الصدد كتابنا الثقافة والسياسة).  

النص الثالث: يقول محمد عابد الجابري

“النزعة الفرانكفونية بوصفها نزعة وطنية فرنسية للهيمنة أو للتوسع ليست مطروحة في المغرب، كما أنها لا تشكل خطرا حقيقيا. فالمغاربة وطنيون باللغة الفرنسية أو العربية، وفي الثلاثينات كان قادة الحركة الوطنية من الصنفين معا: بعضهم تخرج من باريس وبعضهم من القرويين”.

إن التفسير الذي أورده المفكر محمد عابد الجابري (والذي لا يخلو من لغة الخشب) حول الفرانكفونية لا ينطبق على واقع السوق اللغوية، لأن اللغة تستمد سلطتها من الخارج، وهو علة فعاليتها كلغة للمؤسسة. ذلك أن اللغة في هذا المنحى ليست وسيلة للتواصل فقط (أي حاملة لخطاب) بل عبارة عن قدرة تعبر علاقات القوة، تبحث دائما عن مستعملين أي عن سوق بالمفهوم الذي وظفه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بوديو، وقيمة اللغة بهذا المعنى تتحدد من خلال توسع  مستعمليها أي ان يكون لها سوقا، وعلى هذا النحو فإن الدفاع عن قيمة اللغة هو دفاع عن وجود سوق لها، وهو ما يفسر اشتعال المعركة بين النزعة القومية والنزعة الفرانكفونية خاصة على المستوى التعليمي لأنه المجال الذي من خلاله يتم إعادة إنتاج مستهلكين للغة سواء كانت عربية أم  فرنسية. وهكذا حسب ما تعلمناه من سوسيولوجيا بيير بورديو فإنّ “رأسمالا ما لا يتحدد بوصفه كذلك، ولا يعمل بوصفة كذلك ويدر أرباحا إلا في سوق معينة”.

خلاصة المناقشة:

لا يمكن الحديث عن الثقافة من خلال إدراك مجموعة من المعطيات أولها أن السياسة ممارسة مرتبطة بالعابر مثلها مثل الضيف، أما الثقافة فهي أبقى لأنها مرتبطة بالهوية، ثانيا أن التعدد في المغرب أمر واقعي وليس مجازا، أما الوحدة فهي اختيار من ضمن الاختيارات وإمكانية من ضمن الإمكانيات. ثالثا أن المسألة اللغوية تخترقها علاقات القوة أي أن هناك علاقات قوة لغوية يفرضها السوق.